http://www.almoumnoon.com/
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







http://www.almoumnoon.com/

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر | 
 

 ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:07 am

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيما ً، والصلاة والسلام على معلم الخلق خير البرية سيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: -

إن مما لا شك فيه أن لكل منهج ثوابت ومتغيرات، ثوابت لا تتغير ولا تتزعزع بتغير الزمان أو المكان أو الأشخاص، القناعة فيها واليقين بها مستند إلى نصوص ثابتة وعلم لا يرقى إليه الشك، فلا يمكن أن تتبدل أو تتغير فأصبحت تلك الثوابت كالجبال الراسيات، معالم واضحات يهتدي بها كل سائر على الطريق.

والمتغيرات هي عكس الثوابت وهي أمور ثانوية في المنهج والمبدأ هي من الفروع وليست من الأصول، تتغير بتغير الزمان أو المكان أو الأشخاص لها ضوابط شرعية عامة، تفصيلاتها تخضع إلى مداخلات يقدرها المجتهدون بالأدلة، قابلة للحوار والنقاش.

وما يهمنا هنا وفي هذه الأيام خاصة هو أن نذكر الثوابت التي رسمتها النصوص الشرعية على طريق الجهاد، وهذه الثوابت نحن اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة تذكرها ونشرها وفقهها، نحن اليوم وفي هذا الوضع البائس للأمة الجريحة نحتاج حقيقة إلى الرجوع إلى ثوابتنا التي بدأ بعض المتخاذلين يعيد الكلام فيها ويزيد، ليحيلها إلى متغيرات من الأفضل لنا في هذا الوقت ألا نتمسك بها، وسوف نضع بين يديك أخي في الله بعض الثوابت لا كلها التي ترسم لنا طريق الجهاد.

أننا نهدف من وراء كتابة هذه الثوابت تحرير منهج الجهاد من القيود والأغلال التي ألبست له ظلماً وزوراً، ومنهج الجهاد اليوم يعاني من عدة تداعيات تعمل على طمسه أو تحديده وتقييده بغير دليل شرعي، ومن تلك التداعيات ربما يكون سوء فهم مع سوء تطبيق من بعض من نادى بتلك الشعيرة، ومن تلك المعوقات تحذلق عدد ممن ينتسبون للفقه بإصدار شروطاً للعمل بتلك الشعيرة لم يسبقهم إليها أحد من الأئمة في هذا الباب، ومن تلك المعوقات خروج عدد من المخذلين المنتسبين للإسلام ليصدحوا في كل منتدى بأن الجهاد لا يصلح لزماننا، ومن تلك المعوقات وأهمها الحلف الصليبي الذي يشن حربه على هذه الشعيرة لأنها تعارض مصالح المستعمر الأمريكي لبلدان العالم.

ونشر ثوابت درب الجهاد كفيل بإذن الله تعالى لتصحيح مفهوم الجهاد والعمل على كسح بقية المعوقات الظالمة الجائرة التي وقفت في طريقه، وبعد تصحيح المفهوم يمكن أن نرتبط بهذه الشعيرة من الناحية الروحية ثم من الناحية الفكرية ثم من الناحية المنهجية وأخيراً من الناحية التطبيقية العملية، فإحياء هذه الشعيرة يحتاج إلى مجهودات للتوضيح والبيان، وليس التوضيح والبيان يقتصر على المعرفة الفقهية البحتة المنفصلة عن الواقع، فهذا وإن كان مطلوباً كفقه، إلا أنه يحتاج إلى أن يربط بمنهج يؤدي إلى تطبيق ذلك الفقه والتعبد بتلك الشعيرة على أرض الواقع كتعبد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بها.

ونمثل لتحرير العبادة من القيود بهذا المثال ليتضح المقال: لقد شرع الله الصلاة لمن كان قبلنا، ولكن ربط الله سبحانه وتعالى أداء تلك العبادة بأماكن مخصوصة كالبيع والصوامع وغيرها، وعندما شرع الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الصلاة حرر الله تلك العبادة من القيد المكاني فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم مالم يعط أحدا من الأنبياء قبله وكان مما أعطي كما في الصحيحين حيث قال صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) فأصبحت الأرض كلها صالحة لأداء تلك العبادة إلا سبعة مواضع استثنيت من الأرض بنصوص أخرى في حال الاختيار لا الاضطرار أيضاً، فتحرير هذه العبادة من هذا القيد سهل ويسر أداءها لكل عبد، علماً أن وضع ذلك القيد ورفعه كان تشريعاً من الله سبحانه وتعالى لحكمة هو يعلمها.

ونحن اليوم في ذكرنا لثوابت شعيرة الجهاد نحاول أن نرفع القيود الظالمة الآثمة الفاجرة التي وضعها حثالة البشر وعارضوا بها نصوصاً شرعية قطعية الثبوت والدلالة، فسمعنا ممن ينتسب للإسلام من يزعم بأن تصادم الحضارات هو دمار وخراب، والإسلام بريء من ذلك التصادم ونحن بحاجة إلى تعايش الحضارات وبحاجة إلى السلام ونبذ العنف والنزاع المسلح (الجهاد)، ورأينا أيضاً عددا لا حصر لهم يدخلون في المؤتمرات الرامية إلى حرب تلك الشعيرة أو إلغائها باسم التسامح أو الوسطية أو حوار الأديان، فبعيداً عن مباركة بعض المنتسبين للإسلام لهذا التحالف الصليبي الواضح الذي يشن هجمته المسعورة على الجهاد والمجاهدين، نجد أننا أمام عدد كبير أيضاً ممن ينتسبون للإسلام وهم يباركون المؤتمرات واللقاءات القائمة على حرب الجهاد سواءً باسم العنف أو الإرهاب.

.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:08 am

أول الثوابت

الجهاد ماض إلى يوم القيامة

إن العالم اليوم إلا من رحم الله يقف بكل قواه العقدية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والشعبية، يقف وقفة واحدة بكل ما أوتي من قوة، أمام شعيرة من شعائر ديننا الحنيف ألا وهي شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى، تلك الشعيرة التي فرضها الله علينا بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وبقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وقال في آخر ما نزل في حكم الجـهاد مـؤكداً علـيه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

هذه الشعيرة التي حاول الكفار طمسها وتسميتها بالإرهاب والإجرام، ووسم أصحابها بالإرهابيين والمتطرفين والثوار والمليشيات، وساعدهم المنافقون أيضاً على تشويهها والتحجير عليها بسبل شيطانية شتى فتارة يقولون بأن الجهاد جهاد دفع لا طلب، أو قالوا بأن الجهاد يشرع لتحرير الأرض المحتلة فقط، أو أن الجهاد يجب أن يكون بأمر الحاكم العميل لليهود والصليبيين، وحيناً آخر قالوا بأن الجهاد انتهى بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أن الجهاد لا يناسب عصرنا الحاضر عصر السلام والنظام العالمي الجديد نعوذ بالله من هذه الضلالات.

وأياً تكن مبررات طمس معالم الجهاد ودواعيه ومصطلحاته النفاقية والكفرية، فإن الحقيقة الماثلة للعيان هي أن الأمة منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتضح لها طريق الجهاد وحُددت معالمه واتضح لها مفهومه وفقهه، فلسنا بحاجة إلى من يضيف مفاهيم جديدة للجهاد يمليها علينا من الشرق أو الغرب، ففي تراثنا غنية عن غيره فمنه نستقي أركان وشروط وواجبات وسنن الجهاد، كما نأخذ منه أسباب تشريع الجهاد ومقوماته أيضاً.

وفوق كل ذلك فقد أخبر الله ورسول صلى الله عليه وسلم بأن الجهاد ماض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا الخبر هومن الثوابت التي لا نشك فيها ولا نسأل فيها أحداً بعد تأكيد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهذه الحقيقة، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة مثل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى: (يُجَاهِدُونَ) هي دليل على الاستمرار، وسياق الآية دليل على أن من ترك هذه الصفة فسوف يأتي الله بقوم غيره يحبهم ويحبونه فيهم هذه الصفة.

وقال أيضاً: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) والفتنة هي الكفر، والقتال مستمر حتى لا يكون كفرا، وقال العلماء لا ينتفي الكفر عن الأرض إلا في آخر زمن عيسى عليه السلام حيث يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام، ثم يتوفاه الله تعالى ويتوفى معه كل مؤمن ولا يبقى على الأرض من يقول الله الله وتقوم الساعة على شرار الخلق يومئذ.

وقال تعالى مؤكداً الأمر باستمرار الجهاد في آخر آية نزلت في شأن الجهاد وهي آية السيف: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) والأدلة على استمرار الجهاد من الكتاب كثيرة.

أما النصوص الدالة على استمرارية الجهاد من السنة فهي أكثر من ذلك ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما رواه الجماعة وغيرهم عن عروة البارقي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) قال ابن حجر في الفتح عندما استدل البخاري بهذا الحديث على مضي الجهاد مع البر والفاجر قال (سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، المغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، وفي الحديث الترغيب في الغزو على الخيل، وفيه أيضا بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون، وهو مثل الحديث الآخر ”لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق “الحديث) أهـ كلامه مختصراً.

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم تعليقاً على هذا الحديث ”قوله صلى الله عليه وسلم (الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح (الأجر والمغنم) وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قبيل القيامة بيسير، أي حتى تأتي الريح الطيبة من قبل اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة. كما ثبت في الصحيح“ أهـ كلامه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود وغيره عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).. والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل..) قال صاحب العون في شرح هذا الحديث: ”(والجهاد ماض منذ بعثني الله): أي من ابتداء زمان بعثني الله (إلى أن يقاتل آخر أمتي): يعني عيسى أو المهدي (الدجال): مفعول. وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا. أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم، وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حيا في الأرض، وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة وبقاء الكفار إلى قيام الساعة، قاله القاري، والحديث سكت عنه المنذري“ أهـ كلامه رحمه الله.

ودليلاً على استمرار الجهاد قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما جاء في الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم عن جابر رضي الله عنه: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) وفي لفظ للبخاري (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) وفي لفظ لأحمد (لا يبالون من خالفهم أو خذلهم) وقوله (لا تزال) دليل على الاستمرارية، وإن كان سياق الحديث كاف في إثبات استمرارية الجهاد، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عن هذا الحديث ”قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.

وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة; فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور في الحديث“ أهـ كلامه.

ومن الأدلة أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، فجعلت غاية القتال في هذا الحديث هي الإسلام فإذا أسلم الناس فلا قتال، والأدلة كثيرة التي تدل على عدم إسلام الناس جميعاً وبقاء الكفر إلى يوم القيامة فإذا كان كذلك فالقتال باق معه أيضاً حتى يأتي أمر الله تعالى، والمقصود بأمر الله في الحديث: قيل هو إسلام الناس في زمن المسيح وقيل يوم القيامة وقيل هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، ولكن دلالة الحديث واضحة في بقاء القتال ما بقي الكفر.

والنصوص التي تفيد استمرار الجهاد كثيرة لا مجال لحصرها، والأئمة متفقون وبلا خلاف على استمرار الجهاد وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن استمراره خبراً لا يتغير ولا يتبدل، وهذه النصوص تبين أنه لا يمكن أبداً أن يخلوا زمان من الأزمنة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة من راية جهاد حق مرفوعة في سبيل الله تعالى، وهذا خبر منكره كافر بالله تعالى.

إذا تيقنّا هذه الحقيقة ووضعناها نصب أعيننا وجعلناها أحد الثوابت التي نرتكز عليها، فإننا لا يمكن أبداً مهما اشتدت الظروف وساءت الأحوال أن نتخلى عن دعم راية الجهاد والوقوف تحتها، لأن راية الجهاد في كل زمان مرتبطة بالطائفة المنصورة المرضي عنها، والطائفة المنصورة كما قال النووي لا يلزم أن تكون في مكان واحد، فيمكن أن تتعدد في زمان واحد في عدة أمكنة،والطائفة المنصورة تقاتل على الحق ظاهرة، والزمان لا يخلوا من الطائفة المنصورة التي تقاتل وترفع راية الجهاد.

إذا اعتقدنا تلك العقيدة لا بد معها أن نجزم بأن قوى الكفر العالمي ومعها النفاق الدولي لا يمكن أبداً أن تفلح في إخماد راية الجهاد ولا قمع المجاهدين ولا تعطيل هذه الشعيرة أبداً، ربما تستطيع محاصرتها في مكان واحد أو اثنين، ولكن أن تسقط راية الجهاد في هذا الزمان فلا يمكن لها أبداً ولو اجتمع الجن والأنس لذلك جميعاً، فإن راية الجهاد رفعت بأمر الله تعالى وبإذنه ولا يمكن أن توضع والله هو الذي قضى على نفسه أن ترفع حتى يقاتل آخر أمة محمد صلى الله عليه وسلم الدجال مع عيسى بن مريم عليه السلام.

هذه الحقيقة التي لا بد أن ننطلق منها، وهذا المعتقد الذي ينبغي أن نقاتل به عدونا، عقيدة اليقين والتصديق بوعد الله سبحانه وتعالى بمضي الجهاد إلى يوم القيامة.

وإن ما أصاب المسلمين اليوم من يأس بعد الأحداث التي حصلت في أفغانستان وانسحاب المجاهدين من المدن، لا يدل يأسهم وإحباطهم أبداً على أن أكثر المسلمين على قناعة بأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، ولا تدل أحوال أكثر المسلمين أيضاً على أنهم على قناعة بأن العالم أجمع لا يمكن له أن يسقط راية الجهاد في العالم، بل إن كثيراً منهم لا يدرك معنى الصراع بين الحق والباطل، ولا يقرأ تاريخ الأمة وتاريخ الأنبياء من القرآن خاصة.

العالم يحارب وعد الله بمضي الجهاد،ونحن نصدق الله ونقسم بهزيمة العالم الذي حارب الله سبحانه وتعالى، النظام العالمي الجديد يقوم على مفهوم محدد وواضح المعالم وهذا المفهوم هو: أن الجهاد هو الإرهاب، وكل مجاهد إرهابي، ولا بد من ملاحقة الإرهابيين وقمع الإرهاب، بمعنى لا بد من ملاحقة أولياء الله وقمع شريعة الله سبحانه وتعالى، فحرب بهذه الصورة نتيجتها معروفة لنا سلفاً قصها الله علينا في كتابه وبينها لنا رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فقال عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) أي أعلمته بالهلاك، وحرب الله تعالى هي على من يعادي أولياءه لولايتهم لله ويتخذهم أعداءً بسبب دينهم، وفي لفظ (آذنته بحرب) نكره تشمل كل أنواع العقوبات، وفي رواية لأحمد (من آذى لي وليا) بمجرد الإيذاء وفي رواية أخرى له (فقد استحل محاربتي)، وقد لا تكون هذه العقوبة ظاهرة للعيان كما لحق بالأمم الأخرى وقد تكون العقوبة عاجلة كما قد تكون آجلة والله يمهل ولا يهمل،

أما نتيجة هذه الحرب في القرآن فقد قصها الله تعالى في عدة آيات نأخذ منها قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).

وقال مؤكداً على هزيمة أعداء المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) ودعا الله إلى الاعتبار بما حصل في معركة بدر يوم الفرقان إذ قال (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ).

ولكن السؤال الذي يشوش على هذه العقيدة ويدور في أنفس الضعفاء هو: لماذا لم ينصر الله الإمارة الإسلامية في معركتها حتى الآن وهي التي رفعت شعار تطبيق الشريعة والتمسك بالكتاب والسنة وواجهة العالم بذلك حتى اضطرت إلى ترك جميع المدن التي كانت تسيطر عليها؟.

نقول إن لله تعالى في ذلك حكمة وأول الحكم يبينها قول الله تعالى (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) فإن الله قادر على أن ينتصر وحده من الكفار ويقتلهم بطرفة عين ويدمر قواهم كلها، ولكن الله ترك أولئك الكفار يتسلطون على المسلمين وذلك للبلاء، أي ليمتحن المسلمين ويختبر صدقهم بتسلط الكافرين عليهم، فإن صبروا وزادوا تمسكاً بدينهم وفروا إلى الله تعالى وشكوا حالهم له، فإنه سينصرهم بعدما يرى أنهم أهل للنصر، فيمكن لهم دينه الذي ارتضى لهم بعد أن يحققوا شروط التمكين قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وقال: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فشروط التمكين لا بد أن تتوافر في المؤمنين قبل ذلك، وقد ذكر الله لنا طرفاً منها في هذه الآيات فمنها شرط الإيمان والعمل الصالح واتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الذين مكنوا من قبل، واعتناق الدين الصحيح، وعدم الشرك بالله، والاستعانة بالله وحده، والصبر على الجهاد وحرب الأعداء، وتقوى الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، والصلاح العام، وأن يكون سلوك المجاهد أن يقول ربي الله ويعمل بمقتضى هذا ويستقيم على دينه، فهذه الشروط إذا بذل العبد جهده في تحقيقها فإنه سيصبح مؤهلاً لأن ينصره الله ويستخلفه في الأرض.

ولو تتبعنا حكمة الله تعالى في تأخير النصر أو لحوق الهزيمة (الحسية) في أرض المعركة بالمسلمين لاحتجنا معها إلى مصنف مستقل، إلا أننا سنفرد لها كلاماً مستقلاً لاحقاً بإذن الله، ونكتفي هنا بالإشارة لها لأن هذا المفهوم لا ينبغي أن يغيب عن ذهن المسلم اليوم الذي يتابع وبكل مشاعره وكيانه مجريات الحرب في أفغانستان بين قوى الكفر العالمية جميعها وبين المجاهدين الأفغان.

ونسأل الله أن يعز المجاهدين وينصرهم ويمكن لهم، وأن يكسر الكافرين ويمزقهم ويذلهم ويجعلهم غنيمة للمسلمين.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:10 am

الثابت الثاني

الجهاد ليس معلقاً بأشخاص

إن المشاهد اليوم أن الأمة الإسلامية إن لم يكن بلسان مقالها تعلق الجهاد بأشخاص فبلسان حالها، وربما كثير من المسلمين يقول لك: الدين دين الله وإذا مات خدمه فسوف يخلق الله له خدماً يذودون عنه، ولكن حينما نأتي إلى تطبيق ذلك القول على الواقع نجد أننا لم نصل بعد إلى خطوات تطبيق هذا المنهج على حياتنا، وإن الناظر اليوم إلى حال الأمة الإسلامية من خلال أدبياتها وخطبها يجد أن شريحة لا يستهان بها من الناس يربطون الأحداث بأشخاص ليس على مستوى الجهاد فحسب بل إنه يتعدى إلى مجال الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.

وما يهمنا في هذه الحلقة هو أن نثبت أن الجهاد غير معلق لا بقيادات ولا بأفراد، وتعليق الجهاد بأشخاص سواء كانوا قيادات أو مجاهدين يعد آفة عظيمة تعصف برسوخ عقيدة شعيرة الجهاد لدى المسلمين، كما أن تعليق الجهاد بأشخاص أيضاً يضعف من قناعة ديمومة الجهاد وصلاحه لكل زمان، بل إنه سيكون أهم عائق نفسي ومنهجي أمام كل من أراد أن يسلك درب الجهاد ويتفرغ لتلك الشعيرة العظيمة.

لقد ربا الله سبحانه وتعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على التعلق به وحده والتعلق بدينه، وبين لهم أن التعلق بأشخاص منهج باطل يفضي إلى ربط العمل به وقد ينتهي العمل بانتهاء حياة الشخص، ونهي الله سبحانه وتعالى للصحابة رضي الله عنهم بالتعلق بأشخاص لم يأت نهياً عن التعلق بشخص مثلهم كلا، بل إنه جاء نهياً لهم بأن يعلقوا الشعائر بأشرف خلق خلقه الله تعالى سبحانه وتعالى وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، نهاهم الله تعالى عن التعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) وهذه الآية نزلت لتربي الصحابة رضوان الله عليهم وتنهاهم عن المنهج الفاسد الذي يفسد العبادات وهي تعليق العمل بأشخاص، وليس المقصود من تعليق العمل بأشخاص أي إشراكهم مع الله، فهذا شرك أصغر أو أكبر أحياناً، ولكن مقصودنا من تعليق العمل بأشخاص هو أن يرى المسلم بأن هذه العبادة لا سيما الجهاد لم تنجح أو تتقدم أو تحقق شيئاً إلا لأن الله تعالى جعل هذا الرجل أو ذاك على طليعة العاملين لها، وهذه هي أقل الصور التي تدخل في نهي الله سبحانه وتعالى عن ذلك المنهج، فقد نهى الله أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأقوال المفسرين في هذه الآية توضح المقصود من كلامنا السابق، وتبين أيضاً خطر ذلك المنهج الذي يؤدي حتماً إلى ترك الدين أو ضعف العمل له.

قال ابن كثير في تفسير الآية المتقدمة 1/410 ”لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم نادى الشيطان ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم قتلت محمدا وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، وجوزوا عليه ذلك كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.

قال ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له يا فلان أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال الأنصاري إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ فقاتلوا عن دينكم فنزل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة.

ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي رجعتم القهقري (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه واتبعوا رسوله حيا وميتا.

وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوب حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها.

وقال الزهري وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس وقال أجلس يا عمر قال أبو بكر أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) إلى قوله (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) قال فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلاها منه الناس كلهم فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض.

وقال أبوالقاسم الطبراني عن ابن عباس أن عليا كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والله لئن مات أو قتل لاقاتلن عليه حتى أموت والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني.

وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً) أي لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له ولهذا قال: (كِتَاباً مُؤَجَّلاً) كقوله (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) وكقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ) وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه كما قال ابن أبي حاتم حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال سمعت أبا معاوية عن الأعمش عن حبيب بن صهبان قال قال رجل من المسلمين وهو حجر بن عدي ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النقطة يعني دجلة (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً) ثم أقحم فرسه دجلة فلما أقحم أقحم الناس فلما رآهم العدو قالوا ديوان - أي جن بالفارسية- فهربوا“ أهـ كلامه رحمه الله.

قال صاحب زاد المسير في تفسيره عن هذه الآية ”قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) قال ابن عباس صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فقال قوم لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا ولو كان محمد حيا لم نهزم فترخصوا في الفرار فنزلت هذه الآية، وقال الضحاك قال قوم من المنافقين قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية، وقال قتادة قال أناس لو كان نبياً ما قتل“.

وقال صاحب فتح القدير 1/385 في تفسيره لهذه الآية ”وقوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) سبب نزول هذه ما سيأتي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصيب في يوم أحد صاح الشيطان قائلا قد قتل محمد ففشل بعض المسلمين حتى قال قائل قد أصيب محمد فأعطوا بأيديكم فإنما هم إخوانكم، وقال آخر لو كان رسولا ما قتل، فرد الله عليهم ذلك واخبرهم بأنه رسول قد خلت من قبله الرسل وسيخلو كما خلوا، فجملة قوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة لرسول والقصر قصر إفراد كأنهم استبعدوا هلاكه فأثبتوا له صفتين الرسالة وكونه لا يهلك فرد الله عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك، وقيل هو قصر قلب وقرأ ابن عباس (قد خلت من قبل رسل)، ثم أنكر الله عليهم بقوله: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي كيف ترتدون وتتركون دينه إذا مات أو قتل مع علمكم أن الرسل تخلو ويتمسك أتباعهم بدينهم وإن فقدوا بموت أو قتل، قوله (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي بإدباره عن القتال أو بارتداده عن الإسلام فلن يضر الله شيئا من الضرر وإنما يضر نفسه (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) أي الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام ومن امتثل ما أمر به فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه“ أهـ كلامه رحمه الله.

قال صاحب العجاب في بيان الأسباب ”قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة ومن طريق الربيع بن أنس قالا لما فقدوا النبي يوم أحد وتناعوه قال ناس لو كان نبيا ما قتل، وقال ناس قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به فنزلت، زاد الربيع ذكر أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال أشعرت أن محمدا قتل فقال الأنصاري إن كان محمد قتل فقد بلّغ فقاتلوا عن دينكم فنزلت.

ومن طرق أسباط عن السدي لما كان يوم أحد فذكر القصة وفيه وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعضهم ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم ارجعوا إلى قومكم قبل أن تقتلوا، فقال أنس بن النضر يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على دينكم، وانطلق رسول الله حتى أتى الصخرة فاجتمع عليه ناس فنزلت في الذين قالوا إن محمدا قد قتل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)

ومن طريق ابن إسحاق حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري من بني عدي بن النجار أن أنس بن النضر مال إلى نفر من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل رسول الله فما تصنعون بالحياة بعده موتوا على ما مات عليه ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل“ أهـ كلامه رحمه الله.

وكلام أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وفي تفسيرها كلام يطول نقله، ولكننا نستخلص من كلامهم السابق، أن الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد وسمعوا بخبر قتله كانوا بين منهجين، أصحاب منهج مذموم، وأصحاب منهج ممدوح، فأصحاب المنهج المذموم هم الذين حذرهم الله في الآية وحذر من منهجهم المذموم، وهو تعليق العمل بأشخاص حتى لو كان الشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصحاب ذلك المنهج المذموم كانوا طائفتين طائفة فتروا عن العمل وأصابهم الضعف والخور بسبب الصدمة التي جاءتهم حتى فكروا بالسلامة من القتل وأخذ الأمان من الكافرين، وطائفة أخرى من أصحاب المنهج المذموم كان ضلالهم أشد فقد اعتقدت تلك الطائفة الكفر وصرحت به وهم الذين قالوا لو كان نبياً ما قتل، أو قالوا ارجعوا إلى دينكم الأول قبل أن تقتلوا.

وقول هاتين الطائفتين من أصحاب المنهج المذموم هو قول كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم، الذين ينعقون في الصحف والمجلات والقنوات، حيث قالوا لو كان جهاد الطالبان والعرب معهم حقاً ما أخرجوا من المدن وما هزموا، وطائفة أخرى تقول خير (للأفغان العرب) أن يضعوا أيديهم في أيدي حكوماتهم ليخرجوا من هذا المأزق، فما أشبه الليلة بالبارحة، فقوم استدلوا بالهزيمة العسكرية على بطلان دين محمد صلى الله عليه وسلم وأنكروا رسالته لما وصلهم خبر مقتله وكانوا يقاتلون معه في الميدان، واليوم يتأكد ذلك المنهج واضحاً من أصحاب الضلال الذي استدلوا ببطلان منهج الطالبان والمجاهدين بالهزيمة العسكرية، فالتاريخ يعيد نفسه، وأهل الضلال لهم سلف سبقوهم في كل شر.

ولكن أهل الهدى والدين الحق وهم أصحاب المنهج الثاني المنهج الممدوح الذي نقله لنا أهل التفسير أثناء المعركة، هم الذين أجابوا عن خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم بقول أنس بن النضر رضي الله عنه حينما مر على نفر من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل رسول الله، فقال لهم: فما تصنعون بالحياة بعده موتوا على ما مات عليه ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، ويمثل هذا المنهج أيضاً أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي قال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ويمثل منهجهم أيضاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال بعدما قرأ الآية (وَمَا مُحَمَّدٌ) ..

والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والله لئن مات أو قتل لاقاتلن عليه حتى أموت، وهذا هو منهج الصحابة جميعاً رضي الله عنهم فهم الذين كانوا يعبدون الله حقاً وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واصلوا الطريق ولم يفتروا لا عن الجهاد ولا عن الدعوة والعبادة بل ساروا على ما رباهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هزموا تمثلوا قول الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وإن انتصروا تمثلوا قول الله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذا هو المنهج الحق الذي يرتضيه الله لنا، أن يكون العمل معلقاً بالأدلة الشرعية، والحكم على الأمور هل هي حق أم باطل لا يكون بناءً على ما حققته من نتائج، بل إن الحكم على أي قضية يكون بناءً على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ومن أراد أن يحكم على المعارك بنتائجها فيلزمه على هذا المقياس أن يقول والعياذ بالله معركة أحد معركة باطلة أخطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخوضها، لأنه هزم والهزيمة دليل على بطلان المنهج عند أهل الإرجاف والجهل.

فأصحاب المنهج الباطل الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا صحة هذا الدين هم الذين علقوا الدين بأشخاص وعلقوا الجهاد برموز، ومنهجهم أدى بهم إلى فساد عظيم حيث أنكروا المقدمات بسبب بطلان النتائج أو فشلها، ومتى ما وصل المرء إلى هذا المنهج فسيقع حتما في الكفر أو اليأس والقنوط، وهذا هو منهج كثير من الرويبضات اليوم، الذين لا يستحيون من الله ولا من عباده، ففي كل حدث لهم قول يناقض ما قبله بأيام، فإذا رأوا نصراً أشادوا وزادوا وأعادوا في المدح والتمجيد، وإذا رأوا هزيمة وابتلاءً من الله لعباده ضللوا وبدعوا ونقدوا وسبوا وشتموا، ولعل أعظم حكمة لله سبحانه وتعالى في لحوق الهزيمة بالمجاهدين هو تصفية صفوفهم وتمحيصهم أولاً ثم تمحيص من تمسحوا بهم ونسبوا أنفسهم إليهم، وقد كشف الله أساليبهم ووصفهم وصفاً دقيقاً حيث قال (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) وقال الله عنهم فاضحاً لأساليبهم العفنة: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، نعم شعيرة الجهاد لا يقوم بها إلا من كان أهلاً لذلك فدونه ودون النصر والتمكين مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، وهذه الشعيرة أيضاً لا يناصرها اليوم إلا من أعد العدة للبلاء والفتنة،أما من كان منهجه منهجاً مائعاً هلامياً لا يُعرف هل هو مناصر للجهاد أو معارض له،فيكفيهم كشف الله لحيلهم في هذه الآيات وفي سورة التوبة فضح لحيلهم الشيطانية وتعرية لمناهجهم الباطلة.

إن تعليق الجهاد أو المعركة بأشخاص لا يفضي إلا إلى هزيمة محققة، فإن لم تكن هزيمة حسية في الميدان فإنها هزيمة معنوية تتمثل في الفتور عن الجهاد عند فقدان القيادة التي ظن المسلمون أنهم لا ينصرون إلا بها، لذا فإنه من الخطأ أن يتعلق الناس بأشخاص أو بقيادات، فيجب تحرير شعيرة الجهاد من ربطها بالرموز، نعم نحتاج للقيادة لربط المجاهدين بها ونحتاج للقيادة للتخطيط والتدبير ولكن فقدان القيادة لا يعني تكسر الروابط التي بين المسلمين وشعيرة الجهاد، وكما أخرجت ساحات الجهاد قيادات بهذا الحجم فإنها ستستمر بإخراج القيادات، والتاريخ شاهد على أنه ما خلا عصر من العصور بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وفيه أسود يذودون عن هذا الدين حتى يخيل لمن سمع عنهم أنه لم يسبق للأمة مثلهم، ولم تعقم نساء المسلمين أن يلدن مثل عمر وعلي وخالد والمقداد وعكرمة وصلاح الدين وقطز فالأمة كالغيث لا يعرف الخير فيها هل هو في أولها أم في آخرها.

وإن قتل القيادة لدى المسلمين الذين تربوا على عدم تعليق الجهاد بالرموز لا يزيدهم على مبدئهم وطريقهم إلا إصراراً، لأنهم يعبدون رب الجهاد لا قيادة الجهاد، فالقيادات موجودة في أرض المعركة وهي معرضة للقتل كما يعرض للقتل أي جندي في المعركة، بل إن القادة يبحثون عن الشهادة وينتظرون اليوم الذي يزفون فيه إلى الحور العين ويتشرفون برؤية رب العالمين، وكلهم يحرص على ذلك اليوم ويسعى له ويتمناه.

فإذا حصل للقادة ما تمنوه كأن يقتل الملا عمر أو الشيخ أسامه أوالقائد شامل باسييف أو القائد خطاب أو غيرهم من قادة الجهاد في كل مكان حفظهم الله جميعاً، فإن حصولهم على ما تمنوه ودعوا الله به لا يعد إلا نصراً لهم بأشخاصهم، أما الجهاد فإنه لن يضيع فهو شعيرة تكفل الله بدوامها إلى يوم القيامة، ووعد الله عباده بالنصر إذا حققوا شروط النصر سواءً كانت معهم تلك القيادات أو قتلت في سبيل الله تعالى، فحري بنا ألا نعلق الجهاد بأشخاص ولا نربط الحرب برموز، وكما يقول الشيخ سليمان أبو غيث في كلمة له قبل أيام ”إذا قتل أسامة فألف أسامة سيحملون الراية من بعده“ وقال الشيخ أسامة بنفسه في إحدى اللقاءات المصورة له عندما سئل عن إمكانية تفكك القاعدة والأفغان العرب إذا ما حصل اغتياله فقال: ”إن اغتيالي أعده شهادة في سبيل الله تعالى وهذا ما كنت أتمناه وأسأل الله أن يرزقني الشهادة، وأسامه ما هو إلا فرد من أبناء هذه الأمة، وفي الأمة رجال كثر مستعدون لفداء هذا الدين بأنفسهم وبما يملكون، فأسامه ليس فرداً بل إنه يمثل منهجاً يؤمن به كل أبناء الأمة“.

وختاماً فإننا نحذر أبناء المسلمين جميعاً أن يعلقوا الجهاد برموز أو يعلقوا المعركة بأشخاص، فهذا منهج باطل وشر عظيم يفسد الدين والدنيا، فالجهاد شعيرة من شعائر الله تعالى، ومن ثوابتنا أنه ماض إلى يوم القيامة، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتغير منهج الصحابة في الجهاد وزادت فتوحاتهم، ومات أبو بكر رضي الله عنه وتوسعت دولة الإسلام ولم تتأثر شعيرة الجهاد، وقتل عمر رضي الله عنه وما زاد المسلمين في الأرض إلا انتشاراً، وهكذا كان أمر المسلمين جيلاً من بعد جيل، من ثوابتنا أيضاً أن الجهاد مبدأ وشعيرة عظيمة لا تتغير ولا تتزعزع بفقد أشخاص ولا قيادات، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم ويعلي شأن أمتنا ويعزها على أمم الكفر قاطبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.








ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:12 am

الثابت الثالث

الجهاد ليس معلقاً بأرض


بعد أن سقنا الأدلة في الفصلين السابقين التي تؤكد أن شعيرة الجهاد صالحة لكل زمان وأنه لا يوجد زمن من الأزمنة منذ أن شرع الله الجهاد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة من راية للجهاد في سبيل الله، من المناسب أن نسوق في هذا الفصل الأدلة التي تثبت أن الجهاد ليس معلقاً بأرض دون أخرى إذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع.

إن من المفاهيم الخاطئة والتي تسببت بتحريف مفهوم تلك الشعيرة هو أن تعلق عبادة الجهاد بأرض بعينها، وحينما تفقد تلك الأرض أو يحل الدمار بها فإن ذلك الفهم حتماً سيؤدي إلى إلغاء هذه العبادة أو العزوف عنها أو الزعم بأن وقتها لم يحن بعد.

ولا بد قبل الشروع في عبادة الجهاد أن نرسخ مفهوماً عظيماً لممارسة هذه الشعيرة وهو أن الجهاد عالمي لا تحجبه الحدود ولا الحواجز، وأن المسلم بحاجة إلى هذه العبادة إذا كان مصراً على تبليغ دين الله تعالى وتعبيد الناس لربهم، كما كان فعل الصحابة رضي الله عنهم حينما كانوا يجوبون مشارق الأرض ومغاربها برسالة عبر عنها ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما سأله رستم ما جاء بكم فقال: (الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي) فالصحابة جاءوا بالسيف والقرآن ليفتحوا بقاع الأرض، وبما أن المسلم لا زال يحمل الرسالة المحمدية فلا بد له أن يحمل مفهوم أن الجهاد صالح لكل زمان ولكل مكان.

وقولنا صالح لكل مكان لا يعني ذلك أن المسلم ليس له هم إلا أن يشعل الحروب في كل بقاع الأرض كلا، ولكن الجهاد صالح لكل مكان توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع، ولهذه الشروط والموانع ضوابط شرعية التفصيل فيها يخرجنا عما نحن فيه ولعلنا نفرد لها حلقة للحديث عنها.

المهم من القول أن القناعة بأن الجهاد ماض إلى قيام الساعة وأنه موجود في كل زمان - وهذا موضوع الفصل الأول - تجرنا هذه القناعة حتماً إلى التأكد بأن الجهاد موجود في أرض أو أكثر من بلاد العالم اليوم، ومعنى ذلك هو أن الجهاد لا يعلق بأرض بل هو معلق بشروط سواءً كانت تلك الشروط هي أسباب تشريع أو كانت مقومات عمل، وهو أيضاً معلق بموانع ومتى تحققت تلك الشروط وانتفت الموانع فإن الجهاد سيؤدي إلى نتيجة أو أكثر من نتائج الجهاد الإيجابية، ولا يمكن أبداً أن نعدم الأرض التي تتوفر فيها أسباب تشريع الجهاد ومقوماته.

والانطلاق من هذا المفهوم لممارسة شعيرة الجهاد يجعل العبد حراً في تطبيقه لهذه العبادة، فهو غير محصور بأرض، ولم يعلق الجهاد ببلد، بل علقه بشروط وموانع ومتى توفرت الشروط وانتفت الموانع، فالمكان مناسب لممارسة هذه الشعيرة.

ويتضح مما تقدم من مطالعة السيرة، فالمسلمون خسروا في بداية الإسلام ديارهم وأرضهم وأموالهم، ولكنهم لم يعتقدوا أن الإسلام لن ينتشر إلا من تلك الأرض المقدسة - مكة - بسبب ما فيها من مقومات حيث إنها كانت قبلة العرب آنذاك وهي ثقلهم وهي البلد التي يعرفونها ويعرفوا أهلها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى خرج من تلك الأرض لينشر الإسلام انطلاقاً من غيرها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيل إليه بأنه مهاجر وكان يذهب ظنه إلى اليمامة أو هجر، وعرض نفسه على أهل الطائف لينشر الدعوة من هناك، فأوحى الله إليه أن الهجرة إلى طيبة، فهاجر إليها وانطلق وصنع مقومات الانطلاق والجهاد والبقاء، وبدأ يعمل لأرض مهجره وكأنها الأرض التي ولد فيها، وانتشر الإسلام من أرض ليست هي أحب البقاع لا إلى الله ولا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم وهو خارج منها كمار روى القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب البلاد إلي ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك) فنزلت الآية (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً) الآية ذكره الثعلبي وهو حديث صحيح.

وروى أيضاً الترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لمكة (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) وفي رواية (والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).

وهكذا لم يقيد نفسه صلى الله عليه وسلم بأرض بل قيدها بشعائر يسعى لتهيئة الأوضاع والأماكن لأدائها، وهكذا كان دأبه صلى الله عليه وسلم لا في الدعوة ولا الجهاد ولا في أي شعيرة أخرى.

وحمل الراية من بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم ففعلوا كما فعل سيدهم صلى الله عليه وسلم فجابوا الأرض طولاً وعرضاً، ولم يكن سبب مفارقتهم للمدينة النبوية فرارهم بدينهم كما فارقوا مكة، بل إنهم فارقوا أقدس البقاع بعد مكة من أجل نشر الدين وإقامة شعيرة الجهاد في مشارق الأرض ومغاربها.

يوضح ذلك ما رواه الإمام مالك في موطئه فقال: أن أبا الدرداء رضي الله عنه كتب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله.

فلم يعلقوا الجهاد بمكة أو المدينة ولم يعلقوه أيضاً ببيت المقدس، بل إنهم جعلوا تلك الشعيرة عبادة يعبدون الله بها في كل مكان تحققت أسباب التعبد بها.

ولو أن المسلمين علقوا الجهاد بالأرض لاندثرت تلك الشعيرة لأن المسلمين فقدوا السيطرة على بقاع عدة في تاريخهم القديم والمعاصر، فتعليق مفهوم الجهاد من أجل بيت المقدس يؤدي إلى زوال شعيرة الجهاد إذا عجز المسلمون عن تحريرها أو حرروها، ففي كلا الأمرين زال مناط الجهاد الوحيد فزال الجهاد، وهذا يدل دلالة واضحة على ضلال من قال إن نزاعنا مع اليهود هو نزاع من أجل الأرض، فقد كذب ذلك القائل بل إن نزاعنا مع اليهود هو نزاع عقدي ولو أن المسلمين استنقذوا جميع بلاد المسلمين من أيديهم لكان واجباً عليهم أيضاً أن يلاحقوهم في أرضهم ويغزوهم في عقر دارهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده رضي الله عنهم.

ومفهوم تعليق الجهاد بأرض هو مفهوم باطل سيؤدي إلى التخلي عن تلك الشعيرة إذا فقدت تلك الأرض، وهذا نفسه قد يؤدي إلى إلغاء شعائر أخرى إذا ما أنيطت بأسباب لم يأذن الله بها.

هذا ما ينبغي فهمه بخصوص أن راية الجهاد لا يمكن أبداً أن يخلوا زمان منها، ومن علق الجهاد بأرض فإنه حتما سيقول لا جهاد إذا فقدت تلك الأرض.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:13 am

الثابت الرابع

الجهاد ليس معلقاً بمعركة


ومن الآفات التي تنخر في عقيدة كثير من الناس تجاه الجهاد هو تعليق شعيرة الجهاد بمعركة، فإن انتصرنا في تلك المعركة فهذا يدل على صحة ذلك المبدأ والمقدمة، وإن هزمنا فهذا يدل على بطلان المقدمة والمبدأ، وهذا الاعتقاد باطل شرعاً وعقلاً، وهو ناتج عن الانهزامية، وقلة الإيمان وعدم الصبر والمصابرة.

أما بطلانه عقلاً: فلا ترابط من الناحية المنطقية والعقلية بين المقدمة والنتيجة، ففشل النتائج لا يدل أبداً على بطلان المقدمة أو خطأها.

أما شرعاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين قال (عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط والنبي ليس معه أحد) فالنبي الذي جاء وليس معه أحد، جاء بغير نتيجة لدعوته، فلا يدل عدم إسلام أحد معه على بطلان دعوته أو الخطأ - تعالى الله عن ذلك - في إرساله في الوقت والمكان المناسب، هذا لا يعتقده إلا زنديق.

ولنا في التاريخ معارك كانت الهزيمة فيها يتصور معها المسلم أنها لن تقوم للإسلام بعدها قائمة، ومن أشد تلك المعارك التي هزم الإسلام والمسلمون فيها معارك التتار في بداية عام 656هـ عندما اجتاحوا بلاد العراق والشام، فقتلوا في العراق في أربعين يوماً أكثر من مليون نسمة، أي بمعدل 25 ألف نسمة يومياً، وزاد فسادهم واجتاحوا بلاد الإسلام وانتصروا في كل معركة خاضوها ضد المسلمين، ولما محص الله المسلمين وتضرعوا إليه التقى التتار مع المسلمين في معركة عين جالوت وهزموا شر هزيمة، رغم أنهم انتصروا في معارك سابقة وأصبحوا أقوى مما سبق والمسلمون أضعف بكثير مما كانوا عليه في بغداد قبل دخول التتار عليهم، والحال نفسه عندما اجتاح القرامطة بلاد العراق والحجاز في بداية القرن الثالث الهجري، وقبل ذلك كان الحال في أحد فإن المسلمين هزموا في أحد أمام الكفار، ثم أصابهم البأساء والضراء وزلزلوا في معركة الأحزاب التي بعدها، إلا أنهم انتصروا بعد حين في المعارك التي تلت الأحزاب وأعظمها فتح مكة.

فتعليق شعيرة الجهاد بمعركة هو من أكبر عوامل الهزيمة النفسية ومن أكبر عوامل ضعف المسلمين اليوم، لأننا لا في القديم ولا في الحديث لم نقاتل عدونا بكثرة عدد ولا عدة، ولا يمكن أبداً أن نعول في معاركنا على موازين مادية فإذا بذلنا وسعنا في الإعداد فقد برئت الذمة حتى لو حصلت الهزيمة، وتعليق ارتفاع شأن الإسلام بمعركة بعينها أو بحرب خاصة قد يؤدي إلى الإحباط وترك الجهاد بسبب تلك الهزيمة علماً أننا لا نقاتل بعدد ولا عدة، فقد نكون في معركة أكثر من عدونا وأفضل مكاناً منه، إلا أننا لم نستكمل شروط النصر الإيمانية فيمحصنا الله بالهزيمة لتصفى النفوس وتتمحص الصفوف، وحينما نتحاكم إلى المقياس المادي في معركة ما ونعلق آمالنا بها فالهزيمة فيها ستحبط النفوس وتفت في الهمم وتعطل الجهاد، ولكن الصحيح أن نجاهد لأن الجهاد عبادة مفروضة سواءً هزمنا أو انتصرنا.

وختام هذه الفقرة لا بد أن أشير إلى أمر مهم، وهو أني أخشى أن يفهم من كلامي المتقدم أنني أقلل من أهمية معركة الإسلام مع الكفر العالمي في أفغانستان كلا، فمعركة أفغانستان لها ما بعدها، فإن انتصرنا فقد تحررت رقاب المسلمين من العبودية لأمريكا وللغرب، وإن قدر الله الهزيمة فإن المسلم الصادق في كل مكان في العالم سوف تكون أعز أمانيه أنه مات قبل هذا وكان نسياً منسياً لما يتوقع أن يلاقيه المسلمون من طغيان أمريكي في بلاد الإسلام، لذا فإن معركتنا مع الكفر في أفغانستان هي معركة مهمة وحاسمة، فوجب علينا أن نضع ثقلنا فيها بكل الوسائل والإماكنيات لننتصر بإذن الله تعالى، ولا تلازم بين هذا الكلام وبين وجوب عدم تعليق الجهاد أو النصر بمعركة لأن الهزيمة فيها لمن دخلها بهذا المفهوم ستعني له اندثار أو ضعف شعيرة الجهاد، سواء ترجم ذلك الشعور بقوله أو بعمله أو كتمه في نفسه.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:15 am

الثابت الخامس

النصر ليس بالغلبة العسكرية فحسب





إن كثيرا من المسلمين يظن أن كل متعبد بفريضة الجهاد لا بد له وأن ينتصر نصراً ميدانياً حسياً وأن الله شرع الجهاد ورتب عليه النصر الحسي فقط، لأن مفهوم النصر منحصر عند الكثيرين بالغلبة العسكرية والنصر الميداني فحسب، والله سبحانه وتعالى شرع لنا هذه الشعيرة ولم يضمن لمن ركب أهوالها أن ينتصر، بل قال مثبتاً لهزيمة المسلمين العسكرية في بعض الأحيان (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) نزلت هذه الآية لتؤكد أن هذه السنة ماضية، وكان نزول تأكيد هذه السنة الكونية بعد الهزيمة العسكرية التي لحقت بأهل أحد، ولو اتسعت مدارك الناس وفهموا معنى النصر لتأكدوا أن كل من ركب ذروة سنام الإسلام لا يمكن أبداً أن يخسر بل هو منتصر على كل الأحوال حتى لو أسر أو قتل، ولو أعطينا مفهوم النصر حقه وقدره الحقيقي وذلك من خلال التأمل في أدلة الكتاب والسنة لوجدنا أن الأمة الإسلامية جمعاء لا يمكن أن تخسر بالجهاد، بل الجهاد ربح على كل أحواله وإن بدا أحياناً في الميدان غير ذلك.
معاني النصر

ونقف بعبارات يسيرة على بعض معاني النصر التي وردت في الكتاب والسنة، رغم أن العبارات لا تكفيها فهي تحتاج إلى بسط مطول في مصنف مستقل، ولكن مالا يدرك كله لا يترك جله ونقول:

أول معاني النصر:

إن أعظم أنواع النصر وهو الذي يتحقق لكل مجاهد سواءً على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة، هو انتصار المجاهد على نفسه وشيطانه والمحبوبات الثمانية وما يتفرع عنها من محبوبات عندما يسلك طريق الجهاد، وتلك الجواذب الأرضية التي فشل كثير من المسلمين بل فشلت الأمة بمجموعها في الانتصار عليها عدها الله تعالى بقوله (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، والعبد حينما يترك هذه المحبوبات الثمانية ويخرج للجهاد يكون قد انتصر على نفسه وعلى شهوته وعلى هذه الجواذب المثبطة.

ومن خلال هذا النصر يكون قد حقق نصراً آخر هو أعظم من الأول حينما ثبت له أنه ليس من أهل الفسق وأنه غير مخاطب بتهديد الله ووعيده في آخر الآية، كل هذا النصر قد حصل له عندما أثبت عملياً أنه يحب الله ورسوله والجهاد في سبيله فما أعظم ذلك النصر.

المعنى الثاني من معاني النصر:

وإذا خرج العبد للجهاد يكون قد حقق انتصاراً آخر ولكن هذه المرة انتصاره على شيطانه الذي يتربص به ويحاول إعاقته عن الجهاد بكل السبل كما جاء ذلك في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة (فبالجهاد يتحقق النصر على الشيطان وينال العبد جنة الرحمن.

المعنى الثالث من معاني النصر:

إن المجاهد إذا خرج للجهاد فإنه قد حقق نصراً لأنه أصبح من أهل قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) فما أعظم ذلك النصر عندما يتعرض المجاهد لهداية الله سبحانه وتعالى، فأعظم نصر على الشيطان هو الهداية وأعظم فضل من الله سبحانه وتعالى هو التوفيق لها، فمن جاهد فقد حقق النصر بالهداية وأصبح من المحسنين الذين لهم من الله معية خاصة معية النصرة والتوفيق والهداية والصلاح، ولو جاهدت الأمة بمجموعها وشاركت في الجهاد حقاً لأصبحت أمة مهدية لها معية خاصة كما كانت في عهد الصحابة والتابعين أمة موفقة غالبة منصورة.

المعنى الرابع من معاني النصر:

وبخروج العبد للجهاد يكون قد انتصر على المثبطين من بني جلدته الذين يتحدثون بلسانه، بل بعضهم يتفيهق بلي أعناق النصوص لتخدم تثبيطه للأمة عن الجهاد وقد فضحهم الله تعالى بقوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) يخاطب الله بهذه الآية صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم (سَمَّاعُونَ) للمثبطين، ليس لضعف إيمانهم ولكن لأن المثبطين أصحاب منزلة في أقوامهم أخفت بواطنهم، ولعظم فتنة المثبطين ولبسهم الحق بالباطل وبإتقان شبههم يمكن لأهل الإيمان أن ينخدعوا بقولهم لذا حذر الله خير الناس بعد الأنبياء منهم، ومن المثبطين من فضحه الله تعالى بقوله (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) فالمثبطون عن الجهاد يجلبون بخيلهم ورجلهم وبكل ما أوتوا من قدرة كل ذلك ليمنعوا العبد من الجهاد وبالتالي يمنعون الأمة من السير على طريق العزة، والمجاهد حينما يخرج للجهاد يكون قد حقق انتصاراً على الخوالف المثبطين، فبعد انتصاره على نفسه وشهوته ودنياه انتصر على شيطانه ومن ثم انتصر على المخذلين من بني جلدته الذين يتحدثون بلسانه.

المعنى الخامس من معاني النصر:

إن المجاهد حينما يثبت على طريق الجهاد وعلى مبادئ هذه الشعيرة رغم ما يصيبه من نصب وشدة وما يعرض له من تثبيط إن هذا وحده يعد انتصاراً بمفرده والله تعالى يقول (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) فمن ثبت على طريق الجهاد واستمر بأداء هذه الشعيرة وأصبح من أهل هذه الآية ألا يعد ذلك نصراً له؟ بلى والله، فكم رأينا من جاهد وانتصر في الميدان ولكن مبادئه هزمت وقنعاته تغيرت وخدم شهوته ودنياه بما تحصل له من طريق الجهاد، وكم رأينا آخرين لم يصبهم من الشدة والشقاء ما أصاب غيرهم ممن لا يزال ثابتاً يجاهد، وهم لم يهزموا في الميدان ولكن الدنيا هزمت مبادئهم وهزمت قناعتهم، لفَّتهم تيارات فاسدة فأصبحوا لها خدماً يخذلون ويعتذرون لهزيمة قناعتهم بآلاف الأعذار، أليست هذه هي الهزيمة والثبات على المبدأ هو النصر الحقيقي؟.

المعنى السادس من معاني النصر:

وبخروج العبد للجهاد يكون قد حقق انتصاراً آخراً وذلك حينما يبذل نفسه ووقته وماله في سبيل مبادئه ونصرة لمعتقده ودينه، فإن الفداء لهذا الدين هو انتصار بنفسه سواء كانت له الغلبة أم لعدوه، فبما أنه علا بمبدئه وقاتل من أجله وبذل نفسه رخيصة له، فإن ذلك علو حقيقي حتى لو هزم في الميدان فقد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عندما هزموا في أحد (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) قتل منهم سبعون ومثل بهم وجرح رسول الله صلى الله عليهم وسلم وفر آخرون ثم تاب الله عليهم، إلا أن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئاً بل رغم ذلك فإنهم في علو، فعلو المجاهد حصل عندما دخل ميدان النزال وخاض معركة الإسلام فهذا هو علوه، فانتصر على عدوه بعلوه، فعندما يجابه قوم عزل لا يملكون من السلاح إلا القليل وهم فقراء قلة ليس معهم إلا الإيمان، فمن أجل ماذا تجاهد الأمة عدوها وهي أقل منه عدداً وعدة؟ من أجل ماذا تجاهد الأمة عدوها وهزيمتها بالمقياس المادي البحت مؤكدة واقعة؟ أليست أمة لا تملك المقومات المادية نسبة لعدوها وتواجهه بعدما أعدت ما استطاعت أليست أمة منتصرة من مجرد بدء الصراع، إن الأمة التي تواجه بإيمانها عدوها المدجج بأحدث الأسلحة والعتاد إنها أمة منتصرة بشموخها ومبادئها.

عندما يواجه من كان هذا حاله دول العالم بعدتها وعتادها وما تملكه من تكنلوجيا ألا يعد هذا علوا ونصراً أرخص العبد فيه نفسه من أجل ما يعتقده؟ بلى والله إن التاريخ يكتب بمداده حياة الأبطال ولو كانت نهايتهم الشهادة، ومن خلد أكثر منهم وعاش في ذل فإن التاريخ لا يذكره بل يمقته، وما أكبر البون وأعظم الفرق بينهم عند رب العالمين.

وفي ثبات المجاهد على طريق الجهاد وعلى معتقده ومبادئه التي قاتل من أجلها، يكون قد حقق نصر المبدأ وعلو العقيدة والدين على طائفتين:

الطائفة الأولى: انتصر بمبادئه على مبادئ الضلال الملية من أهل البدع والخرافة والفلسفة التي أبعدت النجعة وكدرت صفو النصوص وأولتها وحرفتها عن أصلها من أجل إرجاع المجاهد عن مبادئه فإذا أصر وقاتل من أجلها ولم يستمع لما يطرح من أهل الضلال والتخذيل من شبه فإنه حقق نصراً عليهم.

الطائفة الثانية: انتصر بمبادئه على مبادئ أهل الكفر والزندقة والردة والإلحاد، فحينما يعلنها صريحة أنه يتمنى الموت في سبيل ما يعتقد وأن الموت لا يقدم في قناعاته ولا يؤخر شيئاً فإن ذلك يعد من أعظم النصر.

ويتجلى ذلك النصر العظيم بموقف من كانوا سحرة لفرعون حينما هددهم بالقتل والصلب بعدما أعلنوا إيمانهم فقال (.. فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) فأجابوا بعزة المؤمن وبعلو منقطع النظير (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وفي جواب آخر لهم قالوا (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) الله أكبر نعم والله إن هذا لهو النصر العظيم الثبات على المبدأ حتى الممات.

ويتجلى النصر أيضاً بقصة خبيب رضي الله عنه عندما كان مصلوباً بين أيدي كفار قريش وليس بينه وبين الموت إلا لحظات كما في رواية أبي الأسود عن عروة حيث قال (فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه أتحب أن محمدا مكانك قال لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه) الله أكبر ما أعظمه من نصر وعلو.

وكم من أمة قتلت وأبيدت وانتدثرت لم يخلد الله ذكرها ويثني عليها كما أثنى على أولئك الذين وصفهم بأنهم فازوا فوزاً كبيرا، لقد ساوم أهل الكفر أصحاب الأخدود على أمرين إما الرجوع عما هم عليه أو الموت حرقاً بالنار والثبات على المبادئ، فلم تكن نار الدنيا لترجعهم عما هم عليه، فآثروا النجاة من نار الآخرة بدخول نار الدنيا، فتهافتوا في النار كأنهم جراد بإقدام وفداء لم يرعهم منظر النيران العظيمة، بل دخلوا فيها لينتصروا، وعندما تقاعست امرأة واحدة وفكرت وغاب عنها مفهوم النصر أنطق الله رضيعها ليشرح لها مفوهم النصر الحقيقي والفوز الكبير، فقال لها كما جاء عند مسلم: (يا أمه أصبري فإنك على الحق)، فقفزت في النار فانتصرت ورضيعها.

فخلد الله ذكرهم مادحاً لهم بما لم يمدح به أحداً قبلهم ولا بعدهم فقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير) فكل مؤمن غاب عنه معنى النصر الحقيقي كتلك المرأة منهم فإن هذه الآية وهذا المدح وهذه الشهادة تبين معنى النصر وتوضح ما غاب عن الأفهام.

المعنى السابع من معاني النصر:

ومن معاني النصر أن ينصر الله عباده نصر حجة وبيان وهو قريب من المعنى الذي سبق إلا أنه يفترق أن المبدأ المنتصر هنا لا يكون لازماً على المنتصر بل يتعدى إلى غيره سواء مات صاحبه أم لم يمت، المهم أن حجته تبلغ ويقتنع بها أقوام ولو كان مستضعفاً لم ينتصر نصراً ميدانياً، كما قال تعالى عن نصر حجة إبراهيم عليه السلام على قومه بعد مناظرتهم حيث قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) والرفع هو الانتصار، وكذلك نصر الله إبراهيم على النمرود عندما حاجّه فقال الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

وفي قصة انتصار مبدأ غلام أصحاب الأخدود دليلٌ واضحٌ على معنى نصر المبدأ، فقد قتل الغلام ولكن حجته ومبدأه انتصر وغلب كفر الملك وأسلم الناس جميعاً، فنصر الحجة بسبب مقتل الغلام وثباته قبل مماته كان نصراً ظاهراً هزم الكفر في عصره رغم ما يملكه الكفر من قوة وسطوة إلا أنه اندحر أمام ذلك الثبات والمبدأ والمعتقد العظيم.

والطائفة المنصورة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بظهورها ونصرها فقال كما في الصحيحين (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). فهذا الظهور أدناه أنه ظهور حجة وبيان، وقد يكون معه ظهور دولة وسلطان، ولكن رغم خذلان الأمة لهم واجتماع أعدائهم عليهم فإنهم ظاهرون.

المعنى الثامن من معاني النصر:

ومن أنواع نصر الله للمجاهدين أن يهلك عدوهم بقارعة من عنده ويكون سبب تلك القارعة هو جهاد المجاهدين، فقد يعجز المجاهدون عن هزيمة عدوهم في الميدان وهذا غالباً لعدم المكافأة في المعركة، ولكن الله قوي عزيز، وبما أن المجاهدين قد بذلوا السبب وعملوا بما أوتوا من قوة ووسع للإعداد لجهاد الأعداء، فإن الله سيجعل من مجهودهم البسيط ومواجهتهم الضعيفة سبباً لهلاك عدوهم بقارعة من عنده وأكد الله لنا ذلك بقوله (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

والقارعة التي حلت بفرعون من أجل جهاد موسى عليه السلام ومن معه توضح هذا الأمر، فإن الله تعالى قادر على أن يهلك فرعون قبل مجيء موسى عليه السلام أو بعد مجيء موسى ولكن في أول إعراض فرعون وتكبره، ولكن الله أمهله حتى طغى وتجبر وخرج بخيله ورجله لإطفاء نور الله تعالى، وفي الميدان حلت القارعة بفرعون وجنوده وكان السبب موسى عليه السلام فقال الله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وقال (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ).

ولما ظهر جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضت قريش عن الانصياع للحق سلط الله عليهم عذابه ليذعنوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أن قريشاً لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم ورأى منهم إدباراً دعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حست كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال تعالى (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين..) إلى قوله (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) كل ما أصابهم كان بسبب جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكان ذلك بعد الهجرة وتشريع الجهاد، ولم يصبهم ما أصابهم بسبب جيش النبي صلى الله عليه وسلم في ميدان المعركة، فالرسول قتل من قريش ما لا يزيد عن 200 رجل في معاركه معهم، وهم قتلوا من المسلمين قريباً من نصف هذا العدد، ولكن الله أصاب قريشاً بقارعة من عنده أذعنت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدى منهم أقواماً وأهلك آخرين على كفرهم.

وفي عصرنا الحاضر أكد زوال الاتحاد السوفيتي هذه الحقيقة فلم يكن المجاهدون في ميدان المعركة أقوى ولا أقدر ولا أكثر من السوفييت، ولكن بحربهم لدين الله تعالى وقتلهم لأوليائه، تتابعت عليهم المحن والبلايا والفقر والفساد حتى سقط الاتحاد السوفيتي، فمن قال إنه سقط بسبب النظام الشيوعي الاشتراكي فهاهي دول لا زالت على ذلك النظام ولم تسقط، ومن قال بسبب ديونهم فأمريكا وقت سقوط الاتحاد السوفيتي كانت أكثر ديوناً منها لا سيما الديون الداخلية، ومن قال بسبب الحكم العسكري الدكتاتوري لها، فلا تزال دولاً أشد منها حكماً عسكرياً باقية، والناظر لأسباب سقوط الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يبدي أسباباً أعظم من حربهم للدين وجهاد المجاهدين لهم والشواهد من التاريخ ومن قصص الأنبياء أكثر من أن تحصر وكلها تدل على أن جهاد المجاهدين هو السبب الرئيسي لإحلال العذاب والدمار على من حاربهم، فالجهاد سبب لهلاك الكافرين والنصر للمؤمنين من عند الله تعالى، ولو لم نر النصر عاجلاً فإنه يوشك أن يكون، ولا يوجد في التاريخ قوم هلكوا بدون سبب وكل القوارع التي حلت بالكافرين كان بسبب جهاد رسلهم لهم أو بسبب جهاد المؤمنين من عباد الله الصالحين.

المعنى التاسع من معاني النصر:

ومن صور النصر أيضاً أن يكون الجهاد سبباً في فقر الكافرين وموتهم على كفرهم وعدم هدايتهم، وهذا من أعظم أنواع النصر، فحربهم للدين ومجابهتهم للمجاهدين تصبح سبباً لضلالهم وإيغالهم في الكفر حتى الموت، وهذا ما دعا به موسى وهارون عليهما السلام على فرعون وقومه فقال موسى عليه السلام (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فدعاء موسى عليه السلام بهذه الأمور يدل على أن تحققها يعد نصراً حقيقياً، وأي هزيمة أعظم من أن يشدد الله على قلوب الكافرين حتى يلاقوا العذاب الأليم وحينها يفرح المؤمنون بذلك الموقف الذي يقال فيه لأئمة الكفر (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (فبطرهم وأشرهم وطغيانهم وزعمهم الدفاع عن الحرية والحضارة وحرب الإرهاب كل تلك الأمور سوف تنتهي بانتهاء حياتهم التي لم يبق منها إلا أقل مما فات، وبعدها ينتقل إلى موقف يشفي الله به صدور المؤمنين عندما يقال لهم (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ..)، وإن تحقق فقر الكافرين في الدنيا فقد منح الله أكتافهم لعباده المؤمنين.

وقد كان جهاد النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً سبباً في بغي اليهود وطغيانهم، فشد الله على قلوبهم حتى ماتوا وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فماتوا على الكفر والموعد يوم الحساب.

المعنى العاشر من معاني النصر:

ومن صور النصر أن يتخذ الله من عباده شهداء، فكل عبد يعمل ويكدح لله تعالى إنما ذلك من أجل أن يدخل الجنة لذا فإن الله تعالى قال (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فالشهادة اصطفاء من الله تعالى لعباده ومن يصطفيه الله لهذه المنزلة فقد فاز وانتصر، والشهادة هي غاية مطلوبة لذاتها لأنها اصطفاء من الله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تمناها ثلاثاً بقوله كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) وقال الله مؤكداً ذلك النصر (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وقال (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ودليل على أن الشهادة نصر بذاتها ما جاء في الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال (لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه وقال فزت ورب الكعبة) فكيف لمن قتل وعاين الموت أن يقسم بالفوز، إلا أنه قد وجد ريح الجنة، والأدلة على انتصار المجاهد بنيل الشهادة وحدها كثيرة جداً بسطها العلماء في أبواب مستقلة في فضائل الشهادة في سبيل الله، فمن رزق الشهادة فقد انتصر النصر المحقق.

المعنى الحادي عشر من معاني النصر:

ومن صور النصر أيضاً النصر الميداني نصر المعركة وهذا هو الذي يعرف معناه كل الناس وكثير منهم يحصر النصر به فقط وهذا خلل في المفهوم، فما النصر الميداني إلا أحد أنواع النصر وقد فرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وأراه الله ذلك النصر قبل مماته ثم قال له ممتناً عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً).

هذه بعض صور النصر وهي كثيرة لا مجال لحصرها ولكن مثلنا بهذه الصور التي تدخل كلها تحت وعد الله سبحانه وتعالى عندما قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) وقوله (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) فمن ضعف إدراكه عن معاني النصر فإنه يقول كيف يحق الله على نفسه نصر الرسل والمؤمنين، ومن الرسل من قتل ومنهم من لم يملك سلطة ولم يسلم معه أحد، ومن فهم معاني النصر فإن الإشكال عنه يزول.

علماً أن نصر التمكين والغلبة والسلطان هو الذي سيؤول إليه الحال في نهاية الأمر للأمة الإسلامية، فإن لم يحصل هذا في زماننا فإنه قطعاً سيحصل دون أدنى شك فيمن بعدنا، فبشائر الرسول صلى الله عليه وسلم ووعوده بالتمكين في الأرض لا تنصرف إلا إلى معنى النصر الميداني والغلبة العسكرية والسلطان في الأرض، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء عند أحمد وغيره عن تميم الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر) وقوله كما عند مسلم عن ثوابان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) وقوله كما جاء عند مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) وكما جاء عند أحمد عن عبد الله رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل أي المدينتين تفتح القسطنطينية أو رومية فقال (رومية مدينة هرقل) وسوف تفتح روما كما وعد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال كما عند مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم (هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا نعم يا رسول الله، قال لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق..) الحديث، وقد تواترت أخبار المهدي الذي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجه في آخر الزمان وهو الذي سوف (يحكم الأرض سبعاً يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا).

والنصوص المبشرة بالنصر العسكري للأمة والتمكين في الأرض والغلبة والسلطان كثيرة، ولا يسوغ أبداً أن يتكل العبد على تلك النصوص ويترك العمل بحجة أن النصر آت لا محالة، ولكن يجب عليه إذا فهم معاني النصر أن يكون سباقاً لها، فإن الأمة إذا انتصرت وليس له مجهود في ذلك النصر فإنه من الخاسرين، ولكن لا بد أن يحاول جاهداً أن يحقق لنفسه شيئاً من معاني النصر الأخرى حتى يأتي وعد الله بالنصر الميداني (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم عمارة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: رد: ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله   9/5/2013, 3:17 am

الثابت السادس

هزيمة المسلم ليست بقتله


كل من يقرأ معاني النصر التي قدمنا ذكرها يتبادر إلى ذهنه سؤال مفاده:

إذا كان قتل الكافر للمسلم لا يعد هزيمة بل يعد نصراً للمسلم، فما هي الصفة التي نستطيع أن نطلق على المتصف بها من المسلمين بأنه هزم في المعركة؟.

وفي الحقيقة أن الجواب على هذا السؤال يطول، إلا أننا سنطرح في هذه الحلقة بعضاً من معاني الهزيمة ليتضح للقارئ معنى هزيمة المسلم وأنها ليست بقتله، بل هي بأمر آخر ولو بقي حياً كريماً مسوداً.

وتأكيداً على أهم معاني الهزيمة نقول: -

إن الصراع المتمثل بين البشر على هذه البسيطة، إنما هو صراع مبادئ ترجمته الشعوب إلى صراع أبدان، وخاصة بين المسلمين ومن سواهم من الكافرين، إضافة على ذلك فقد جاء صراع الأبدان أمراً من الله لنا، فبما أن أصل الصراع هو صراع مبدأ وصراع عقيدة، فبالتأكيد فإن التنازل عن هذه المبادئ والمعتقدات يعد هزيمة ولو بقيت الأبدان، فلا فائدة من وجودها حينما عدم المبدأ والمعتقد.
(معاني الهزيمة)
وأول معاني الهزيمة: اتباع ملة الكافرين أو أهوائهم:

قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).

وقال تعالى في الآية الأخرى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ).

فعندما يرتد المسلم على عقبيه ويعلن اتباعه لملة اليهود والنصارى أو أية ملة كفرية أخرى من علمانية أو بعثية أو شيوعية أو حداثية، سواء كان هذا الاتباع كلياً أو جزئياً، فإن هذا يعد أعلى أنواع الهزيمة، حتى لو حقق المتبع رضا اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر، وحقق من الثراء والرياسة والقيادة مالم يتحقق له بعدم اتباعه لملتهم.

واتباع الملة ليس شرطاً أن يكون من خلال إعلان المرتد بلسانه بأنه على ملتهم فهذا يندر وجوده في التاريخ، ولو قُصر اتباع الملة على الإعلان باللسان لما استطعنا وصف المنافقين بأنهم اتبعوا ملة الكافرين.

ويُبطِل اشتراط إعلان اتباع ملة الكافرين باللسان، تعريف أهل السنة لمسمى الإيمان حيث قالوا خلافاً لكل المبتدعة بأن الإيمان هو قول وعمل أي قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، فاتباع ملة الكفار يكون بالقول وحده أو بالعمل وحده أو بالاعتقاد وحده، فلا ترابط بينها البتة، ولم يشترط الاعتقاد في قول الكفر أو عمل الكفر إلا أهل البدع من مرجئة وجهمية وغيرهم.

والحاصل فإن اتباع ملة اليهود والنصارى تكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد، وحينما نستصحب هذا التوصيف فما أكثر المهزومين من أبناء المسلمين، لا سيما أمام هذه الحملة الصليبية الشرسة.

يقول ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره 1/565 على قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى) .. الآية ”وليست اليهود - يا محمد - ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق؛ فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم“

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط 1/85 ”أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض، ثم جعل محمداً صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.

وأهواءهم: هو ما يهوونه؛ وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالاً عظيماً ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر... وقد قال: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. ومن هذا أيضا قوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).

فانظر كيف قال في الخبر (مِلَّتَهُمْ) وفي النهي: (أَهْوَاءَهُمْ)؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه كما تقدم“ أ.هـ كلامه رحمه الله تعالى.

ومن هذا يتبين لنا أن الهزيمة كل الهزيمة باتباع ملة الكافرين، أو اتباع ما يهوونه سواءً بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وما أكثر المنهزمين اليوم، الذي اتبعوا ما يهواه الكافرون، وزعموا بأن الله يأمر بهذا، (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، ولا يعلن اليوم قادة الصليبيين أمراً يهوونه ويريدونه من المسلمين، إلا تهافت عدد من أبناء المسلمين مبدين أن الإسلام أتى قبل ألف وأربعمائة سنة بما ينادي به الحقراء، فليس تهافتهم هذا إرضاءً لله، إنما هو اتباع لأهوائهم أو اتباع من البعض لملتهم، فأي هزيمة أعظم من هذه الهزيمة.
ثاني معاني الهزيمة: المداهنة للكافرين:

قال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) وقوله: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) نهي من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يطيع المكذبين - وهم كفار مكة - بما فيه خلاف الحق.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 18/230 ”نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)“.

قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير 5/268 ”(فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ): نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين - وهم رؤساء كفار مكة - لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، فنهاه الله عن ذلك“.

وقال أبو السعود رحمه الله في تفسيره 9/13 على قوله تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) ”تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم، وتصلب في ذلك، أو نهى عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم كما ينبىء عنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) فإنه تعليل للنهي أو الانتهاء، وإنما عبر عنها بالطاعة للمبالغة في الزجر والتنفير، أي: أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور، (فَيُدْهِنُونَ) أي: فهم يدهنون حينئذ، أو فهم الآن يدهنون طمعا في ادهانك“.

والادهان: اللين والمصانعة، فبيّن الله سبحانه وتعالى هنا أن كفار مكة ودوا لو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لان لهم وصانعهم، وقد نهاه الله سبحانه عن ذلك ”.

قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله في تفسيره 6/20 ”وقوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم فيلينون. والمداهنة: معاشرة في الظاهر ومحالمة بغير موافقة الباطن“.

قال المبرد: ”يقال: أدهن في دينه وداهن في أمره، أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت“.

وضل أقوام فظنوا أن المداهنة المحرمة، هي نفسها المداراة الجائزة، فولجوا باب الهزيمة جاهلين أو متجاهلين أنهم ولجوه باسم المداراة الشرعية، ولتوضيح ذلك نقول:

إن باب (المداراة) شيء، وباب (المداهنة) شيء آخر، فتجوز المداراة بخلاف المداهنة، فالمداراة من باب التلطف بالقول مع المخالف، واللين، والرفق، ولا يكون فيها إقرار باطل، أو تقرير له، ونحو ذلك، فإن حصل شيء من هذا فقد انتقل إلى باب (المداهنة).

والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث (بئس أخو العشيرة) لم يتكلم بباطل، ولم يقر شيئاً باطلاً، ولم يفعل معصية في عمله - وحاشاه صلى الله عليه وسلم - وهو من باب دفع الشر، أو غيره، ولكنه بطريقة مشروعة،لم تخالط بمعصية، وقد وردت أحاديث في مدح مداراة الناس لأنها قد تكون من باب حسن الخلق في بعض الأحيان.

قال ابن حجر في الفتح 10/528 قال ابن بطال رحمه الله ” المداراة: من أخلاق المؤمنين؛ وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة: من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك“.

وقال ابن حجر في الفتح 10/454 نقلاً عن القرطبي وعياض رحم الله الجميع: ”والفرق بين المدارة والمداهنة: أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معاً، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا،، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له - يعني لمن قال عنه (بئس أخو العشيرة) - من دنياه حسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى“.أهـ

ومما سبق يتبين هزيمة أقوام كثر من المنتسبين للإسلام اليوم، حينما داهنوا أعداء الله سبحانه وتعالى، وخدعوا أنفسهم وخدعوا الناس وقالوا إن هذه مداراة شرعية، وما هي إلا هزيمة نكراء، ومداهنة عمياء، قلب الحق فيها باطلاً والباطل حقاً، وبُذل الدين لصلاح الدنيا وصلاح مصالح شخصية وضيعة، فماذا يبقى من معاني النصر بعد هذه الهزيمة المنكرة؟!.
ثالث معاني الهزيمة: الركون والميل للكافرين وأصحاب الباطل:

قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً).

وقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات:

فقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا ولو بأطراف أصابعك، فحدث نفسه وقال: ”ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره“.

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان 3/619 بعد أن ذكر جملة من الأقوال في سبب نزولها ”إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار كادوا يفتنونه، أي: قاربوا ذلك، ومعنى يفتنونك: يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك. قال بعض أهل العلم: قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما نفس الأمر. وقيل: معنى ذلك أنه خطر في قلبه صلى الله أن يوافقهم في بعض ما أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم“.

وقال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير 3/247 ”( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ): لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل، والركون: هو الميل اليسير؛ ولهذا قال: (شَيْئاً قَلِيلاً) لكن أدركته صلى الله عليه وآله وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم، فضلا عن نفس الركون،... ثم توعده سبحانه في ذلك أشد الوعيد فقال: (إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) أي: لو قاربت أن تركن إليهم، أي: مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين، والمعنى: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا“.

قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في سبيل النجاة والفكاك ص50 ”فأخبر تعالى أنه لولا تثبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم لركن إلى المشركين شيئاً قليلاً، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه الله عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، ولكنَّ الله ثبته فلم يركن إليهم، بل عاداهم وقطع اليد منهم. ولكن إذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته، فغيره أولى بلحوق الوعيد به“.

ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ).

قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) والركون هو الميل، ومنه: الادهان - وسبق الكلام عليه - قال القرطبي رحمه الله ”(وَلا تَرْكَنُوا) الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم، وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب، وقال ابن زيد: الركون هنا: الادهان؛ وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم“.

وبـنفس معنى الآية السابقة جاء قول الله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً).

فمن ركن أو أطاع الكافرين أو الظالمين فرغم أنه متوعد بالنار والعذاب في الآخرة، إلا أنه بركونه إليهم وطاعته لهم يعلنها مدوية أنه هزم شر هزيمة، وأن مبدأه الذي تمسك به زالت معالمه بعد هذا الركون والطاعة، ولو زعم بقوله بأنه ما تزحزح عن مبادئه إلا أن ركونه وطاعته للذين ظلموا أو كفروا يكذبه ويعلن أنه هزم ولا معنى للمبادئ إذا كذبها العمل، فهي لا تعدو أن تكون ادعاءات باطلة وحبراً على ورق، فلا يستقيم أبداً تشدق بالمبادئ وركون للظالمين والكافرين بما يريدون، فما هذه إلا هزيمة مخزية.

ومن تدبر ما سبق من معاني النصر والهزيمة، يتضح له بجلاء جهل الذين زعموا هزيمة الإمارة الإسلامية، فالمتدبر لهذه المعاني يستيقن بأن الإمارة الإسلامية وعلى رأسهم أمير المؤمنين الملا عمر حفظه الله، انتصروا على العالم كله، وتفضل الله عليهم وحققوا أكثر معاني النصر، وقد رحمهم الله وعصمهم من لحوق معاني الهزيمة بهم، نسأل الله أن يثبت المجاهدين ويمن عليهم بالنصر في الميدان إنه ولي ذلك والقادر عليه.

فينبغي على المسلم أن يتمسك بمعتقده ومبادئه ويعلن دوماً أنه الأعلى وأنه المنتصر مهما أصابه من نصب وقرح قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ثوابت على درب الجهاد للشّيخ يوسف العييري -تقبَّلهُ الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://www.almoumnoon.com/ :: {{{{{{{{{{منتدى المجاهدين واهل الثغور}}}}}}}}}} :: قسم المجاهدين العام-
انتقل الى: