http://www.almoumnoon.com/
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







http://www.almoumnoon.com/

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر | 
 

 غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو أحمَد
المدير العام
المدير العام



مُساهمةموضوع: غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين   10/12/2011, 11:10 am

غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين


د. راغب السرجاني

غزوة أحدتحدثنا عن مقدمات غزوة أحد والإعداد الجيد لجيش الكفار والذي وصل إلى ثلاثة آلاف مقاتل بعُدة جيدة وآلة الحرب.

وكذلك تحدثنا عن الإعداد الجيد للجيش المسلم وأن النبي خرج بألف من رجال المسلمين ولكن انسحب منه قبل أن يدخل أرض المعركة ثلاثمائة من المنافقين فأصبح الجيش سبعمائة من المسلمين.

وأيضا إلى جانب الإعداد الجيد توفرت صفات الجيش المنصور في الجيش المسلم الخارج إلى أحد من إيمان بالله وإيمان برسوله ، ومن إيمان بالله واليوم الآخر وطلب الجنة ورغبة في الموت في سبيل الله ومن أخوة وأمل وشورى ومشاركة القائد لجنده، وغير ذلك من صفات الجيش المنصور التي تحدثنا عنها بالتفصيل عند حديثنا عن غزوة بدر.

آخر خطوات الإعداد للمعركة

ولما دخل النبي أرض أحد أحتل مواقع متميزة في أرض المعركة ووضع فرقة من الرماة على الثغرة الوحيدة الموجودة في أرض المعركة، وأكد عليهم مرارا عدم التخلي عن مواقعهم مهما كانت الظروف.

قال لعبد الله بن جبير قائد الرماة: "انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَ مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ".

ثم قال للرماة: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَوَطِئْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ".

فكانت الأوامر في منتهى الوضوح لا تفتح بابا للاجتهاد عند الرماة، كلها تحمل معنى واحدًا، وهو الثبات الثبات فوق جبل الرماة.

بدء القتال

وبدأ القتال وكان يوم السبت الموافق السابع من شوال بعد غزوة بدر بعام تقريبا.

وبدأ القتال في منتهى القوة والشراسة وأول ما بدء للقتال كان حول راية الكفار، وكما ذكرنا فراية الكفار كانت مع بني عبد الدار وكان أول من يحملها من بني عبد الدار طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان طلحة من أكبر وأعظم وأقوى فرسان قريش وكان يلقب بكبش الكتيبة وخرج ليطلب القتال وكان أول من طلب القتل من قريش وخرج وهو حامل الراية وعلى جمل وأحجم عنه المسلمون لما رأوا هيئته وقوة بأسه، وتقدم الزبير بن العوام الذي لم يكتف بقتاله بل قفز فوق جمل طلحة بن أبي طلحة وجذبه إلى الأرض وبرك فوقه وقتله، ولما رأى الزبير بن العوام يقتل كبش الكتيبة قال: "أَلَا إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ".

واشتد القتال بين الفريقين وتقدم عثمان بن أبي طلحة أخو طلحة بن أبي طلحة الذي قتله الزبير وطلب القتال وخرج له حمزة وقتله حمزة ثم خرج أخوهم الثالث أبو سعدة فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم خرج مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم الجُلاس بن طلحة بن أبي طلحة، مجموعة كبيرة من بني عبد الدار وكانوا ستة من بيت واحد بيت أبي طلحة، وكانت مأساة بالنسبة لبيت أبي طلحة بن عبد الدار، وبرغم كل ما حدث في بيت أبي طلحة خرج من بني عبد الدار رجل آخر هو أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، ثم خرج شريح بن قارظ فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان، ثم خرج عمرو بن عبد مناف فقتله أيضا قزمان، فخرج ابن شرحبيل بن هاشم، فقتله أيضا قزمان، وقد قاتل قزمان في ذلك اليوم قتالا شديدا.

وَقُتِل يومئذ عشرة من بني عبد الدار، وكلما قتل واحدًا منهم تسلم الراية رجلًا آخر لأنهم تعاهدوا مع أبي سفيان أن لا يتخلوا أبدًا عن الراية وصدقوا في عهدهم مع أبي سفيان، ثم خرج مولى لبني عبد الدار وكان اسمه صواب من الحبشة وقاتل قتالًا أشد من السابقين جميعًا قاتل حتى قطعت يده الأولى، ثم الثانية، ثم قطعت رأسه وهو يحمل الراية حتى سقط وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة ولم ترفع بعد ذلك.

واحتدم القتال بين الفريقين وكان شعار المسلمين في هذا اليوم أَمِتْ أَمِتْ وكانت بداية قوية بالنسبة للمسلمين فقد سقط إحدى عشر قتيلًا من المشركين مقابل لا شيء من المسلمين فكان النصر في البداية حليف المسلمين وانهارت معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة، وبدأ يسيطر المسلمون على الموقف وقاتلوا بقوة وبضراوة شديدة.

أبو دجانة وسيف رسول الله

وكان من أبرز المقاتلين في ذلك الوقت سيدنا أبو دجانة وحمزة بن عبد المطلب، ولقد فعلا الأفاعيل بجيش المشركين.

وأبو دجانة هو الذي أخذ السيف من النبي لما قال : "مَنْ يَأْخُذ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ". وربط على رأسه عصابة حمراء وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجال في الأرض وقتل كثيرا من المشركين.

وكان الزبير بن العوام يجد في نفسه؛ لأن النبي أعطى السيف لأبي دجانة ولم يعطه له هو قال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته السيف قبل أبي دجانة فأعطاه له وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فرأيته وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل.

أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول.

فيقول الزبير بن العوام فجعل لا يلقى أحد من المشركين إلا قتله.

وكان في المشركين رجل يقتل كل جريح مسلم، فيقول الزبير: فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة. مع أن الزبير من كبار الفارسين، فاجتمعا فضرب ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته أي بدرعه فعضت بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله.

واخترق أبو دجانة صفوف المشركين حتى وصل إلى صفوف النساء، ورأى أبو دجانة كما يقول: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف وَلْوَل فإذا هو امرأة وكانت هند بنت عتبة فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة.

حمزة بن عبد المطلب

قاتل حمزة قتالًا شديدًا كقتال أبو دجانة، وقاتل قتالًا شديدًا في كل الميادين لم يقف أبدًا في وجهه أحد من المشركين، لكن وقف في ظهره وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين.

ويحكي وحشي بن حرب قصته فيقول: كنت غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه عدي قد أصيب يوم بدر فلما أجمعت قريش المسير إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، قال فخرجت مع الناس وكنت رجلًا حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدًا ما يقوم له شيء، يقول وحشي: فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته (أي في أحشائه) حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب. وكان يريد قتل وحشي، ويقول وحشي: فتركته حتى مات، فأخذت حربتي فذهبت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت.

وحلت الكارثة على جيش المسلمين بقتل حمزة أسد الله وأسد رسوله .

ومع قتل حمزة وبرغم الخسارة الفادحة التي خسرها المسلمون ظل المسلمون مسيطرون على الموقف تمامًا في أرض أحد.

قاتل عامة المسلمين يومئذ قتالًا عظيمًا شديدًا قاتل أبو بكر وعمر وعلي والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ كل المسلمين قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاءً حسنًا في ذلك اليوم.

محاولة خالد بن الوليد اختراق جيش المسلمين

كانت لخالد بن الوليد نظرة عسكرية ثاقبة وكان يومئذ مشركًا ورأى الثغرة التي يمكن له من خلالها أن يخترق جيش المسلمين والتف بفرقة كانت معه من فرسان المشركين حول جبل الرماة إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق الجبل من كتيبة الرماة التي وضعها النبي فوق الجبل فرَدّت خالد بن الوليد.

وما استطاع خالد بن الوليد بحنكته وذكائه أن يتجاوز تلك الكتيبة ويخترق خلف الجيش المسلم.

وكانت هذه المحاولة الأولى لخالد وكرر ذلك مرات عديدة إلا أنه في كل مرة ترده فرقة الرماة من فوق الجبل، وفشل سيدنا خالد في تجاوز فرقة الرماة التي كان قد وضعها النبي فوق الجبل.

نصر للمسلمين

وبدأت الهزيمة تدب في جيش المشركين ثلاثة آلاف مشرك وكأنهم يقابلون ثلاثين ألف مسلم برغم قلة المسلمين.

وبدأ المشركين يفكرون جديًا في الهرب وبدأوا يتراجعون إلى الوراء شيئًا فشيئًا ثم فروا قِبَل مكة تاركين النساء وراءهم حتى النساء هربن، ويقول الزبير بن العوام: لقد رأيت خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير.

فكان نصرا للجيش المسلم لا يقل روعة عن نصر بدر، يقول تعالى:

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ]آل عمران:152[.

وتحسونهم أي: تستأصلونهم.

والله تعالى قد وعد المؤمنين إن كانوا صادقين وصابرين ومتبعين للنبي أن يعطيهم النصر في أحد وفي غيرها.

والرسول بشرهم بذلك قبل الخروج إلى أحد وإلى هذه اللحظة المسلمون ملتزمون بما قاله النبي بما كانوا عليه يوم بدر لذا تحقق النصر حتى هذه اللحظة.

وبنظرة إلى الجيش الإسلامي نجد أنه إلى الآن مؤمن بالله تعالى مؤمن باليوم الآخر، يطلب الجنة، طَبّق الشورى، أعد الجيش إعدادًا جيدًا، حاسم، معتمد على الشباب، القائد في هذا الجيش يعيش مع شعبه ويشترك معهم في كل صغيرة وكبيرة، الأخوة في الله واضحة في المعركة، الأمل في قلوبهم، واليقين في نصر الله يملأ نفوسهم، الأمر موسد إلى أهله، والصفات العشر التي تحدثنا عنهم في غزوة بدر متحققين في جيش أحد إلى هذه اللحظة، والنصر حليف للمسلمين.

{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ}

وبعد هذا الانتصار العظيم وبعد الهروب الكبير لجيش المشركين تخلى بعض المسلمين عن صفة واحدة من تلك الصفات العشر فتغير الموقف تمامًا.

د. راغب السرجاني



حمل سلسلة البراء ولولاء للشيخ ابا اسحاق الحويني حفظه الله
http://www.almoumnoon.com/t3881-topic

اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض،
عالم الغيب والشهادة
أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،
اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم

     مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو أحمَد
المدير العام
المدير العام



مُساهمةموضوع: رد: غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين   10/12/2011, 11:11 am


د. راغب السرجاني
غنائم الكفار وأثرها على الرماة

هزيمة المسلمين يوم أحدفي هروب المشركين إلى مكة ألقوا وراءهم كل شيء، فألقوا الأمتعة والأثقال والأحمال، ألقى المشركون الدنيا ليتخففوا ويستطيعوا الهرب، والرماة من فوق الجبل رأوا الدنيا التي ألقاها المشركون خلفهم.



وقرر الرماة أن يتركوا مكانهم ليجمعوا دنيا المشركين، فكانت مخالفة صريحة واضحة لأوامر النبي .



وقد أَعْمت هذه الغنيمة أبصارهم عن تذكر ما قاله النبي ، لكن عبد الله بن جبير القائد ذكرهم بما قاله النبي وقال: "أَنَسيتم ما أمركم به رسول الله ؟!" فقالوا: "الغنيمة الغنيمة"[1].



فكانت مخالفة متعمدة لكلام النبي وللقائد المباشر، وتخلى أربعون رجلاً من الرماة عن مواقعهم بنسبة ثمانين في المائة، ونزل الرماة ليجمعوا الغنيمة مع المسلمين.


اقتناص الفرصة

ولفت هذا الموقف نظر القائد العسكري خالد بن الوليد، وقد حاول أن يخترق خالد جيش المسلمين من هذه الثغرة أكثر من مرة، ولكنه فشل في ذلك عندما التزم المسلمون بكلام النبي ، ولما خالف الرماة ورأى خالد تكالب المسلمين على الغنيمة وتَرْكهم الجبل؛ التفَّ هو بجيش المشركين حول الجبل ليخترق صفوف الجيش المسلم من خلفه، وحاول عبد الله بن جبير ومن تبقى معه من الرماة أن يبعدوا خالد بن الوليد ومن معه من الدخول خلف الجيش الإسلامي، لكنه فشل في ذلك، وخرج إليهم عبد الله بن جبير وحاول قتالهم، لكن صعد إليه على الجبل مجموعةٌ من الكافرين وأبادوهم، واستشهد عبد الله بن جبير ومن تبقى معه من المسلمين.



والتف خالد بن الوليد حول الجيش الإسلامي، وصاح صيحة أدرك منها المشركون الهاربون أن خالدًا التف حول الجيش الإسلامي، فعادوا للقتال، وحوصر المسلمون بين خالد بن الوليد من خلف الجيش والمشركين من أمام الجيش، ووُضِع المسلمون كما يقولون بين فكي كماشة، وأسرعت امرأة من المشركين واسمها عمرة بنت علقمة، ورفعت اللواء الساقط على الأرض من أول المعركة، واهتاج المشركون، وتحمسوا للقتال حماسًا كبيرًا وهم يحملون بين نفوسهم ذكريات بدر، وذكريات الهزيمة في بداية معركة أُحُد، وبدءوا بالضغط على المسلمين.


ثبات الرسول

وكان ينظم الصفوف في مؤخرة الجيش، لما التف خالد بن الوليد حول الجيش المسلم، فكانت أول فرقة قابلها خالد الفرقة التي فيها النبي . ولم يكن أمام، النبي إلا اختياران:



الاختيار الأول: إما أن يهرب بالفرقة التي معه إلى أيِّ مكان في أرض المعركة؛ ليستطيع المقاومة من جديد.



الاختيار الثاني: أن ينادي على الجيش ليجتمع من جديد، ويبدأ في المحاولة لاستعادة الموقف على أرض أُحُد، لكن مناداة النبي للمسلمين قد تلفت إليه نظر المشركين الذين هم في خلف الجيش الإسلامي، ولو سمعوا النبي لأحاطوا به وقتلوه.



لكن النبي في شجاعة معهودة منه اختار الحل الثاني، ونادى بأعلى صوته لاستعادة الموقف من جديد، فقال: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ".



وبدأ النبي يرفع صوته ليَسْمع المسلمون، وكان المسلمون في حالة اضطراب شديدة، والمشركون في حالة نشاط عجيب. وكان الموقف مأساويًّا للغاية، وسمع خالد صوت الرسول ، فحاصر النبي ، وقاتلت الفرقة التي مع النبي قتالاً شديدًا، وبدأ النبي يشجعهم ويقول: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟" أو: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"[2].


ثبات الصحابة

فتقدم أحد الأنصار وقاتل قتالاً شديدًا حتى قُتل شهيدًا، فتقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس حتى وصل الأمر إلى سابعهم وهو عمارة بن يزيد بن السكن، فقاتل قتالاً شديدًا عنيفًا حتى أصيب، وسقط على الأرض، واقترب من النبي حتى وضع وجهه على قدم النبي ، فاستشهد ووجهه ملتصق بقدم الحبيب ، وتأثر النبي بهذا الموقف وقال: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا"[3].



فأثار هذا الموقف طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فقاما فقاتلا قتالاً شديدًا، وماذا يفعل طلحة وسعد في مواجهة كتيبة من المشركين، وتقدم عتبة بن أبي وقاص -أخو سعد بن أبي وقاص- يقذف بالحجارة وجه رسول الله ، فتفجرت الدماء من وجه النبي ، وجاء عبد الله بن شهاب الزهري أحد المشركين وشجَّ النبي شجةً منكرة في رأسه، ثم جاء إليه رجل اسمه عبد الله بن قمئة وضرب الرسول في كتفه ضربة ظل يشتكي منها شهرًا كاملاً، ثم ضرب النبي في وجهه فدخلت حلقتان من المِغْفَر التي كان يلبسها النبي في وجنته، وهو يقول: "خذها وأنا ابن قمئة". فقال له النبي : "أَقْمَأَكَ اللَّهُ"، أي أهلكك الله. وقد وقع هذا الرجل من فوق جبل وقُتل بعد ذلك.



كان موقفًا متأزمًا، وكان يقول: "كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ"[4]. فأنزل الله قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].


سعد وطلحة في مواجهة المشركين

في هذا الوقت قام سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله بعمل لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل، فقد كان النبي محاصَرًا بفرقة من المشركين، ومع ذلك قام سيدنا سعد برمي المشركين بسهامه، وكان النبي معجبًا بأداء سعد، فقال له: "ارْمِ سَعْدٌ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"[5]. وهو الوحيد الذي جمع له النبي أبويه، وكان يفتخر بها بعد ذلك، فكان يرمي رميًا عظيمًا في ذلك اليوم.



وحارب طلحة حربًا ضروسًا في هذا اليوم، قاتل من كل مكان حول النبي ، حتى وصلت الجروح التي بجسده إلى حوالي تسعة وثلاثين جرحًا، ورغم كل هذه الجروح ظل يقاتل t.



وجاء سهم من بعيد كاد يصيب النبي ، فوضع يده أمام السهم فوقع السهم في يده، وأنقذ الرسول وشُلِّت يد طلحة من ذلك السهم.


بلاء المهاجرين والأنصار في الدفاع عن النبي

بعد هذا القتال الشرس حول النبي ، وصل بعض الصحابة إليه وكانوا قد رأوه محاصرًا، فكان موقفًا صعبًا على النبي ، وأول من عاد إلى النبي سيدنا أبو بكر الصديق t، ورأى رجلاً يقاتل حول النبي فقال الصِّدِّيق: "كن طلحة، فداك أبي وأمي". ثم وجده طلحة كما توقع y أجمعين؛ لأنه كان يعلم أن طلحةَ فارسٌ مغوارٌ، وهو الذي يستطيع أن يقاتل ذلك القتال.



وبعد أن وصل أبو بكر، كان بعده سيدنا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ووجد أبو بكر الصديق أن حلقات المِغْفَر في وجه النبي ، فذهب لينزعها، فقال له أبو عبيدة: "نشدتك بالله يا أبا بكر، نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني". وبدأ يجذب أبو عبيدة حلقات المغفر بأسنانه من وجه النبي بخفة شديدة؛ لئلا يؤذي النبي ، وبخروج حلقة المغفر الأولى سقطت سِنٌّ من أسنان أبي عبيدة بن الجراح، وتوجه أبو بكر إلى النبي لينزع الحلقة الأخرى، فقال له أبو عبيدة: "نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني". ولما جذب أبو عبيدة الحلقة الثانية سقطت سنٌّ أخرى من أسنانه[6]، t وعن الصحابة أجمعين.



ولما رأى النبي طلحة يقاتل رغم كثرة الجراح التي ألمت به، قال : "دُونَكُمْ أَخَاكُمْ، فَقَدْ أَوْجَبَ"[7]. وسقط سيدنا طلحة t من الإصابات الكثيرة التي ألمت به.



وبدأ الصحابة في الدفاع عن النبي ، وجاءت مجموعة أخرى من الصحابة، جاء أبو دجانة، ومالك بن سنان -وهو والد أبو سعيد الخدري t- وحاطب بن أبي بلتعة، وجاءت أم عمارة إحدى النساء تقاتل حول الرسول ، وكان أبو طلحة الأنصاري يضع نفسه أمام الرسول ليحميه من سهام المشركين، وكان الرسول إذا أراد أن يرمي بسهم أشرف فوق رأس أبي طلحة، فكان يقول له: "بأبي أنت وأمي، لا تشرف يا رسول الله؛ فيصيبك سهمٌ من سهام القوم، نَحْرِي دون نَحْرِك"[8].



وكانت أم عمارة تقاتل عن يمين النبي وعن شماله، وكان يقول: "مَا نَظَرْتُ يَمِينِي وَلاَ يَسَارِي وَلاَ أَمَامِي وَلاَ خَلْفِي إِلاَّ وَجَدْتُ أُمَّ عِمَارَةَ تُقَاتِلُ عَنِّي بِسَيْفِهَا".



نظر إليها النبي نظرة المعجب من قتال هذه المرأة، وهي الضعيفة التي لم تكلف بالقتال بالسيف في هذه المعركة التي فرَّ منها بعض الرجال، لكنه نظر إليها وهو يبتسم، فشاهدته أم عمارة t فقالت: "يا رسول الله، ادعُ الله أن نكون معك في الجنة". فقال: "أَنْتُمْ مَعِي فِي الْجَنَّةِ"[9].



وكانت تقاتل هي وزوجها وابنها حول النبي . وجاء حاطب بن أبي بلتعة وقتل عتبة بن أبي وقاص الذي كان يرضخ وجه النبي بالحجارة.



وقاتل عبد الرحمن بن عوف قتالاً شديدًا حتى تحطمت أسنانه، وأصيب إصابة بالغة في جسده، كانت سببًا في إصابته بالعرج الدائم بعد ذلك.



أبو دجانة فعل فعلاً غريبًا، فقد وقع الرسول في حفرة من الحفر التي حفرها المشركون ككمين للمسلمين، ورأى السهام تأتي إلى النبي من كل مكان، فألقى أبو دجانة بنفسه على النبي وسدَّ الحفرة بجسده ليتلقى السهام في ظهره[10].



الجميع من المهاجرين والأنصار أبلوا بلاءً حسنًا في هذه المعركة، ولم يدَّخِروا جهدًا في الدفاع عن النبي .



وتقدم مصعب بن عمير وهو يحمل راية المهاجرين، وقاتل حول النبي قتالاً شديدًا، فقطعت يمينه، فحمل الراية بشماله، فقطعت شماله، فبرك على الراية وهو قابض عليها بعضديه، وجاء المشركون من خلفه وقتلوه[11]، فسقط على الأرض وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144].


إشاعة مقتل النبي وأثرها على المسلمين

لما قتل مصعب بن عمير t وكان شديد الشبه بالرسول ، ظن المشركون أنهم قتلوا النبي ، فقال ابن قمئة -الذي قتل مصعب بن عمير-: "قتلتُ محمدًا"[12].



وانتشر الخبر في أرض المعركة بكاملها عند المشركين وعند المسلمين، وكانت مأساة على المسلمين؛ فمقتل النبي أمرٌ لا يتخيله المسلمون، هم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون النبي ، وكيف ينقطع الوحي ولم تتم الرسالة بعدُ؟ أسئلة كثيرة جالت في أذهان الناس، وأحبط كثير من المسلمين في أرض القتال، ووصل الإحباط بالبعض أن قعد عن الجهاد والقتال من حوله وهو لا يرفع سيفه ليدافع حتى عن نفسه، وهذا فَهْم مغلوط تمامًا؛ فالقتال ليس من أجل المسلمين، ولا من أجل النبي ، إنما القتال في سبيل الله ، والله حي لا يموت، فلماذا القعود والإحباط؟! فقضية القتال في سبيل من المفروض ألا تغيب عن ذهن المؤمن، وليكن كثابت بن الدَّحْدَاح -وكان مشاركًا في غزوة أُحُد- لما رأى اليأس والإحباط بلغ من المسلمين مبلغًا عظيمًا حتى أقعدهم عن الجهاد، فقال لهم في إيمان عميق وفَهْمٍ دقيق: "إن كان محمدٌ قد قُتل، فإن الله حي لا يموت"[13]. ثم قاتل t حتى استشهد.



وقال ذلك أيضًا أنس بن النضر لما رأى المسلمين وهم جلوس في أرض القتال، وقد افتقدوا أيَّ روح للقتال وأي حمية للمقاومة، فقال لهم: "ماذا تنتظرون؟" قالوا: "قتل النبي ". فقال لهم في منتهى الشجاعة والقوة: "قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت". ثم قال للمسلمين القاعدين عن القتال: "اللهم إني أعتذرُ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المسلمين)، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء" يعني المشركين الذين ضربوا النبي أو قتلوه كما أشيع، ثم تقدم t ليقاتل المشركين، فلقيه سعد بن معاذ، فقال له سعد: "أين يا أبا عمر؟" فقال أنس: "واهًا لريح الجنة يا سعد، إني أجدها دون أُحُد". فتقدم t وقاتل المشركين قتالاً ضاريًا حتى قُتل شهيدًا t، وقد طُعن أكثر من ثمانين طعنةً في جسده، وما عرفته إلا أخته من علامة في بنانه[14].



واستمرت إشاعة مقتل النبي في أرض المعركة إلى أن اكتشف كعب بن مالك أن النبي حيًّا ولم يُقتل، فنادى في المسلمين: "يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ". فأشار إليه النبي أن اصمت؛ لئلا يعرف موضعه المشركون، ومع ذلك فقد سمع ثلاثون من المسلمين كلام كعب بن مالك، ففاءوا إلى النبي وأحاطوا به، وقادهم النبي إلى الانسحاب المنظم في اتجاه الجبل، وينادي النبي على مجموعة أخرى من المسلمين: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ"[15].



وهناك مجموعة لم تقعد عن القتال في أرض المعركة وحسب، بل فعلت ما هو أشد وأنكى؛ فقد قررت الفرار من أرض المعركة، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، فمنهم من فرَّ وهو يصعد إلى الجبل، والبعض فرَّ في طريقه إلى المدينة حتى وصل إلى المدينة المنورة في فراره، والرسول ينادي عليهم وهم يسمعون ولا يلبون. ولقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [آل عمران: 153].



وبرغم ذلك استطاع النبي أن ينسحب إلى الجبل، هو ومن معه من المسلمين، وقد رآه أُبيّ بن خلف أحد كبار المشركين وهو يصعد فوق الجبل، فجاء من بعيد وهو يقول: "لا نجوت إن نجا". فقال أحد المسلمين: "أيعطف عليه أحدٌ منا فيقتله؟" فقال النبي : "دَعُوهُ". ولما دنا من النبي ، تناول حربته وضربه ضربة قد خدشت فيه خدشًا بسيطًا جدًّا، وصرخ أُبيّ بن خلف وصرع على الأرض، وقام وظل يجري وهو يقول: "قتلني والله محمد". واستعجب المشركون، وقالوا: "ذهب والله فؤادُك، والله إنْ[16] بك من بأس". فهو خدش بسيط، فقال: "إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك؛ فوالله لو بصق عليَّ لقتلني"[17].



وكانت هذه الكلمات تعبر عن اقتناع المشركين جميعًا بأن كلام النبي حق، وأن ما بُعث به الصدق، وأنهم كانوا يكذِّبون -لعنهم الله- من أجل مصالحهم وأهوائهم.



وكما تنبأ النبي ، وكما أخبر قبل ذلك بالوحي، مات عدو الله أبيّ بن خلف والمشركون قافلون إلى مكة من جرَّاء الخدش البسيط الذي أصابه من رسول الله .


انسحاب الجيش الإسلامي إلى الجبل

وبدأ الصعود إلى جبل أُحُد، وكان قد أصيب بإصابات كثيرة حالت بينه وبين صعود الجبل، واعترضته صخرة كبيرة لم يستطع تسلقها، فجاء طلحة بن عبيد الله رغم الإصابات التي في جسده، فقد أصيب بتسع وثلاثين إصابة إلا أنه t جلس ليصعد النبي على ظهره، فقال : "أَوْجَبَ طَلْحَةُ"[18].



قد فعل ما يجب أن يفعل، وكان t من العشرة المبشرين بالجنة، وكان إذا ذُكر أمام أبي بكر يومُ أُحد قال: "هذا اليوم كان كله لطلحة"[19]. رضوان الله عليهم أجمعين.



وبدأ النبي يصعد الجبل هو ومن معه، ورآه خالد بن الوليد ورآه أبو سفيان فقدِما لمنع المسلمين من صعود الجبل وإكمال القتال، فقال : "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا"[20].



وانتدب فرقة ممن معه على رأسهم عمر بن الخطاب لردِّ المشركين عن صعود الجبل، فقاتلوا قتالاً شديدًا، واستطاعوا أن يردوا المشركين بالفعل عن صعود الجبل. واستطاع النبي أن يصعد إلى الجبل هو ومن معه من المسلمين، واختفى المسلمون في داخل الجبل.


التمثيل بالشهداء الكرام

أما المشركون فالتفتوا إلى جثث المسلمين الملقاة على أرض أُحُد، وكانوا سبعين شهيدًا، ومثَّلوا بجثث المسلمين، وبدأت النساء في تقطيع آذان المسلمين وأنوفهم، وصنعوا منها خلاخيل وقلائد ليلبسوها، وذهبت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان -وكانت من أشد الكفار ضراوة على المسلمين، ومن أشد مَن حمِّسْنَ الكفار في الحرب ضد المسلمين- إلى حمزة t عم النبي ، وشقت بطنه وأخرجت قطعة من كبده، وحاولت أن تأكلها ولم تستطع فلفظتها من فمها[21]. وهذه الفعلة تعبر عن مدى الغل والحقد الذي كان في قلوب المشركين، وكانت هند موتورة؛ فقد قتل في غزوة بدر أربعة من أقاربها: قُتل أبوها عتبة بن أبي ربيعة، وعمها شيبة بن أبي ربيعة، وأخوها الوليد بن عتبة، وابنها حنظلة بن أبي سفيان. وكان حمزة t ممن شارك في قتل أقاربها، فقد قتل الوليد بن عتبة، وقتل شيبة بن ربيعة. وكان هذا الموقف في أرض القتال بعد صعود النبي إلى الجبل.



وبعد صعوده ما زالت الدماء تتفجر من رأسه، وحاول الصحابة أن يمنعوا سيلان الدماء، وصبوا على رأسه الماء، وكان لا يزيدها إلا نزيفًا، وكانت السيدة فاطمة بنت النبي في غزوة أُحُد، فأتت بحصير وأحرقتها ودفعتها في رأس النبي حتى توقف النزيف.



وكان المسلمون يقاتلون من الصباح إلى الظهيرة، وجاء وقت صلاة الظهر، فجُمع المسلمون للصلاة ولم يستطع أن يقف من شدة الإصابات، فصلى قاعدًا وصلى المسلمون قعودًا بقعوده .



وإلى هذه المرحلة والمشركون يعتقدون أن النبي قد قُتل، وبعض المسلمين مع النبي ، وبعض المسلمين شهداء في أرض المعركة، والبعض فرَّ إلى الجبل في أماكن مختلفة، وبعض المسلمين فر إلى المدينة، وكان المسلمون يعيشون مأساةً حقيقية.



د. راغب السرجاني



حمل سلسلة البراء ولولاء للشيخ ابا اسحاق الحويني حفظه الله
http://www.almoumnoon.com/t3881-topic

اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض،
عالم الغيب والشهادة
أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،
اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم

     مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو أحمَد
المدير العام
المدير العام



مُساهمةموضوع: رد: غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين   12/12/2011, 9:20 pm

ضعيفجيد
د. راغب السرجاني



محنة المسلمين يوم أحد



لقد تحدث الحق تبارك وتعالى عن محنة أُحُد،
وجاء الوصف الرباني مصورًا ما حدث في هذه الغزوة في سورة آل عمران، قال الله
تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].





والمصيبة
لم تكن في استشهاد سبعين من أفاضل الصحابة رضوان الله عليهم، فالشهادة شرف يسعى
إليه المسلمون، ولكن المصيبة كانت تكمن في عدة أشياء:





أولاً:
معصية الصحابة لرسول الله مع وضوح ذلك الأمر، والأمر لم يكن اجتهاد من الصحابة، ولكن كان
بسبب حب الدنيا.





ثانيًا:
استشهاد سبعين من الصحابة -وهذا شرف لهم كما ذكرنا- ولكن ما يعنينا أن هذا الأمر
قد حدث بسبب خطأ من الرماة لمسارعتهم للنيل من الغنائم.





ثالثًا:
الإحباط الذي أصاب المسلمين في هذا اليوم من القعود عن القتال، وعدم الثقة في
النصر، وعدم التحرك لتحقيقه.





رابعًا:
كبيرة من الكبائر وهي الفرار من الزحف، وهذا الفرار تم حتى بعد سماع أمر الرسول :
"إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ
اللَّهِ"[1]. فمنهم من
فرَّ إلى الجبال، ومنهم من خرج إلى المدينة المنورة، ولم يكن تحرفًا لقتال، أو
تحيزًا إلى فئة، ولكن كان فرارًا من القتال، ومخالفة شرعية واضحة.





لأجل
هذه الأشياء أخبر الله عنها أنها مصيبةٌ على جيش المسلمين.





الحكم من مصيبة غزوة أحد



لقد
كان بداخل هذه المصيبة الخير، ومن الخير في هذا اليوم العصيب، ومن الحكمة في مصيبة
أُحد:





الحكمة الأولى



التصفية والتنقية



{وَمَا
أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ} [آل عمران: 166]، أي
فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره،
وله الحكمة في ذلك. {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
(166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 166،
167].





فالابتلاء
هو الذي يبين للمسلمين من يثبت على دينه ممن يظهر نفاقه.





فلو
كانت حياة المسلمين كلها انتصارات لتمسك بالإسلام كل الناس الصالح والطالح، ولكن
هذا الابتلاء يعلم به المسلمون من يثبت على دينه ممن يتمسح بهذا الدين في وقت
الرخاء، أما في وقت الشدة فلا تراه؛ فمن الخير في أُحُد أنها كشفت شأن المنافقين،
فهذا المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول رأس النفاق يعود بثلاثمائة من المنافقين،
وفي هذا خير؛ لأن الله يقول: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ
مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].





فمن
كان يخفي النفاق في قلبه قد أظهره، وأعلن به، فكلما مرت ضائقة بالأمة الإسلامية
ظهر النفاق، كما يقول الرواة عما ظهر بعد أُحُد: "ونَجَم النفاقُ[2] بالمدينة وغيرها"[3].





والرسول
كان يعلم هؤلاء المنافقين، ولكن الله يريد أن يعلمنا كيف نعرف المنافقين إلى يوم القيامة؛ لأن الوحي
سوف ينقطع عنا إلى يوم القيامة، فعلامة معرفة المنافقين هو ظهورهم عندما يتعرض
المسلمون للأزمات، وتحل بهم النكبات، فعند ذلك يظهر المنافقون، ويعلنون عن حقدهم
للإسلام. فهذه طريقة تعرفنا نوعية المسلمين في داخل الدولة الإسلامية؛ حتى لا
نستعين بهؤلاء المنافقين في أيِّ عمل، ولا نسر بأمر خطير لهم؛ لأنهم من معاول
الهدم، ويؤتى المسلمون من قِبلهم.





الحكمة الثانية



أن يعلم المسلمون شؤم المعصية، وعقوبة المعصية



يقول
الله : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].





نَعَمْ
هذه الآية نزلت في موقف معين ولكن لفظها عام، يشمل كل الأحداث، فلا بد من تحكيم
الرسول في كل أحداث حياتنا؛ لأن أوامر النبي فيها منفعة المسلمين ومصلحتهم وخيرهم، وإذا لم نتبع أمر النبي
فإننا سوف نُصاب بما أصيب به المسلمون يوم أُحد.





إن
مشكلة المسلمين يوم أُحد أن مجموعة من الصحابة خالفوا أمر النبي
مع علمهم به، فإذا أَمَرَ الرسول فلا خِيرة لنا {وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].





وإذا
لم نختر أمر النبي ، فسوف يحدث لنا مثلما حدث في أُحد، يقول الله تعالى: {وَمَنْ
يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].





وأُحُد
تتكرر كثيرًا في حياتنا، فقد أمرنا الله بترك الربا، والفواحش وعدم الإباحية، ومع ذلك فإن كثيرًا من
المسلمين يفعلون ذلك، ومخالفة أمر النبي تؤدي إلى مصائب، حتى ولو كان المخالفون هم
صحابة رسول الله .





الحكمة الثالثة



لفت أنظار المسلمين إلى الزهد في الدنيا وعدم
الإقبال عليها




هناك
أحاديث كثيرة تدعو المسلمين إلى ذم الدنيا وعدم الركون إليها، والرسول
لا يترك فرصة إلا ويحذر المسلمين من أمر الدنيا؛ ولذلك نجد باب ذم الدنيا كبيرًا
في أبواب كتب الصحاح والسنن؛ ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري t،
قال: قال رسول الله : "إِنَّ الدُّنْيَا
حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ مَاذَا
تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ
فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ"[4].





وقد
رأينا مصيبة الدنيا في أُحد، عندما قالوا: "الغنيمة الغنيمة"[5].





الحكمة الرابعة



إعلام المسلمين أن خطأ بعض المسلمين يعم على كل
المسلمين




فقد
خالف أربعون من الرماة ونزلوا من فوق الجبل فأثر ذلك على الجيش بأكمله؛ فلذلك تأتي
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل الصف المسلم، لا بد للمسلمين كأمة
تريد أن تقود العالم من معالجة أماكن الأمراض التي توجد بداخلها، فكل ما يدور
بالمجتمع من أمراض يؤثر على الفرد؛ فلذلك لا بد للإنسان المسلم أن يصلح من شأن
إخوته وأبنائه وجيرانه ووالديه إن كانوا أحياء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.





روى
البخاري في صحيحه عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ
عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى
سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ
الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ
فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ
نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا،
وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا"[6].





فهم
-من وجهة نظرهم- يريدون الخير، ولكنهم يجهلون الطريقة الصحيحة للوصول إلى الخير؛
فلو كان هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر تكون النجاة، أما لو تقاعس المسلمون،
ولم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فسوف تكون الهزيمة المنكرة، فلا بد أن
يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حتى تنجو السفينة.





الحكمة الخامسة



بقاء قادة الكفر أحياء فيسلمون ويحسن إسلامهم



لننظر
إلى جيش مكة فقائد جيش مكة هو أبو سفيان بن حرب، ومن القواد أيضًا خالد بن الوليد
وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، ومن نساء المشركين في هذه المعركة هند بنت
عتبة، التي كانت تحمس الجيش للقتال، ولاكت كبد أسد الله حمزة بن عبد المطلب، إن
هؤلاء المشركين سوف يسلمون، بل وسوف يكونون قادة في معركة اليرموك، ويقدِّمون
للإسلام الكثير من البطولات؛ فهذا خالد بن الوليد سوف يطلق الرسول عليه سيف الله
المسلول، وعكرمة سوف يلقى ربه شهيدًا في معركة اليرموك، وأبو سفيان وهند بنت عتبة
يقدمان بطولات نادرة في يوم اليرموك. فسبحان الله الذي استبقاهم وحفظ دماءهم لحكمة
يعلمها هو !





الحكمة السادسة



التدليل على قيمة الشهادة في سبيل الله



ليس
هناك ما يعادل الشهادة في سبيل الله، فقد انتقى الله بعض المسلمين شهداء، يقول تعالى: {إِنَّ
اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا
عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].





والجهاد
في سبيل الله يكون بالنفس والمال، ليس بالمال فقط ولكن الجهاد بالنفس له أهمية
كبيرة؛ فالشهادة في سبيل الله ليست بالشيء اليسير، فالشهيد يضحي بنفسه وماله في
سبيل الله، يقول تعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44].





فعندما
يوجد المسلم الذي يهوى الموت في سبيل الله فهذا شيء عظيم، وأن تصبح الشهادة هي
أسمى ما يتمنى فهذا شيء أعظم.





من فضائل الشهادة في سبيل الله



روى
الإمام أحمد، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله،
أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: "لَقَدْ
سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَرَّهُ اللَّهُ
عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ،
وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ". ثُمَّ
قَالَ: "أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ الصُّومُ جُنَّةٌ،
وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ". ثم
قرأ قوله تعالى: {تَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} حتى بلغ: {أَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16- 19] ثم قال:
"أَلاَ أُخْبِرُكُ بِرَأْسِ الأَمْرِ
وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ؟" فقلت: بلى يا
رسول الله. قال: "رَأْسُ الأَمْرِ
وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ الْجِهَادُ". ثم قال:
"أَلاَ أُخْبِرُكُ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟" فقلت له: بلى يا نبي
الله. فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا". فقلت: يا رسول الله،
وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكُ
يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ -أو قال:
عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ"[7].





فالمسلم
كي يصلَ إلى الشهادة في سبيل الله فهذا طريق طويل؛ فمعاذ t يسأل الرسول ويبدأ معه الرسول بدرجة الفرائض، فلا يوجد شهيد لا يأتي بالفرائض، من صلاة وصيام
وزكاة وحج، ثم انتقل معه بعد ذلك إلى بعض النوافل التي تدل على تمكُّن الإيمان من
قلب المسلم من صيام النفل والصدقة وقيام الليل، بهذه الأشياء السابقة يصبح المسلم
مهيأً للجهاد؛ فقد تدرج معه بعد ذلك حتى وصل به إلى الغاية المطلوبة، وهي الجهاد
في سبيل الله، فلن يصل إلى مرتبة الجهاد في سبيل الله إلا من يطلبه بصدق، والرسول
كان يحبِّب الصحابة - رضوان الله عليهم - في الجهاد في سبيل الله، ولا بد أن يكون
خالصًا لوجه الله، أما الجهاد من أجل القومية والوطنية ومثل هذه الأشياء فلن يصل
بك إلى درجة الشهادة.





روى
البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: "لَوَدِدْتُ أَنِّي
أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ
أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ"[8]. والرسول
يفسر لنا هذه الرغبة المتكررة في نيل درجة الشهادة في سبيل الله.





روى
البخاري عن أنس بن مالك t، عن النبي قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ
مِنْ شَيْءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا،
فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ"[9].





عندما
يدخل الجنة يرى أشياء عظيمة مقابل شهادته؛ فيتمنى أن يعود إلى الدنيا.





روى
ابن ماجه في سننه، قال رسول الله : "إِنَّ لِلشَّهِيدِ
عِنْدَ اللَّهِ سَبْعَ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ،
وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ
مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ
الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ"[10]. كل هذا مُعدٌّ
للشهيد في سبيل الله، فكان الصحابة -رضوان الله عليهم- عندما يسمعون هذه الأشياء
الجميلة عن الشهداء تتوق نفوسهم للشهادة في سبيل الله.





د. راغب
السرجاني



حمل سلسلة البراء ولولاء للشيخ ابا اسحاق الحويني حفظه الله
http://www.almoumnoon.com/t3881-topic

اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض،
عالم الغيب والشهادة
أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،
اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم

     مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://www.almoumnoon.com/ :: {{{{{{{{{{منتدى المجاهدين واهل الثغور}}}}}}}}}} :: قسم المجاهدين العام-
انتقل الى: