http://www.almoumnoon.com/
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







http://www.almoumnoon.com/

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر | 
 

 وزير الصالح نظام الملك ... وإحياء المذهب السني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الجنة دار السعادة
وسام الخلافه الراشده
وسام الخلافه الراشده



مُساهمةموضوع: وزير الصالح نظام الملك ... وإحياء المذهب السني   19/2/2012, 3:04 pm

مصطفى كريم
يعد الوزير الصالح نظام الملك من أهم الرموز التاريخية التي بذلت جهودًا مضنية لخدمة الشريعة الإسلامية، والمحافظة على المذهب السني، في مواجهة مساعي الدولة العبيدية الباطنية لمحاربته والقضاء عليه بشتى السبل والأساليب.
المولد والنشأة:
هو أبو علي حسن بن علي بن إسحاق الطوسي، المشهور بنظام الملك، وُلد في 21 ذو القعدة 408هـ، 10 إبريل 1018م بمدينة طوس ببلاد فارس، كان من أولاد الدهاقين ـ رؤساء الفلاحين ـ وكان أبوه يعمل في البساتين، وقد عُني به فحفَّظه القرآن وعلَّمه المذهب الشافعي، ثم درس الآداب التي تتعلق بأمور السلطنة، وإلى جانب ذلك تحلى نظام الملك بأخلاق نبيلة، وخلال كريمة؛ كالفطنة والذكاء والحكمة والعقل، والقدرة على تصريف الأمور، والكياسة وحسن السياسة، وكلها مؤهلات لازمة لمن يصلح للاتصال بالسلاطين، وتولي المناصب العليا.
مراحل حياته:
كانت الشرارة الأولى في مسيرة الإصلاح التي قادها هذا الرجل القمة، عندما اتصل بداود بن ميكال بن سلجوق أخي السلطان السلجوقي طغرل بك، وكان يحكم خراسان، فلما عمل نظام الملك معه، أُعجب داود بكفاءته وإخلاصه، وذكائه وكريم أخلاقه، فألحقه بحاشية ابنه ألب أرسلان، وقال موصيًا له: (اتخذه والدًا، ولا تخالفه فيما يشير به) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (2/128)].
ولما توفي طغرل بك أَجلس وزيره عميد الملك الكندري على عرش السلطنة سليمانَ بن داود ابن أخي السلطان وولي عهده، وكان طفلا صغيرًا لا يتجاوز أربعة أعوام، ولم يرضَ الناس بذلك فالتفوا حول ألب أرسلان، ونجح في دخول الري عاصمة الدولة ومعه وزيره نظام الملك وذلك في (ذي الحجة 455هـ/ديسمبر 1063م) واستقبله الكندري وهنأه على السلطنة.
وعقب تولي ألب أرسلان السلطنة أقر الكندري على الوزارة، وحاول الكندري من جانبه أن يكسب رضا السلطان؛ أملًا في الاحتفاظ بالمنصب، لكن ذلك لم يدم طويلًا، فسرعان ما تغير عليه السلطان وأوجس منه خيفة، فأقدم السلطان على خلعه في (محرم 456هـ/يناير 1064م).
وبعد عزل الكندري تولى نظام الملك الوزارة، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل عزة الإسلام، وفصل جديد من فصول نهضته، فلم يكن رحمه الله وزيرًا لامعًا ومدبرًا للأمور فحسب، بل كان راعيًا للعلم والأدب، يحفل مجلسه بالعلماء والفقهاء والأدباء.
وزارة نظام الملك:
ظلَّ نظام الملك يعمل مع ألب أرسلان تسعة أعوام ونصف وزيرًا ومساعدًا له، ازدهرت الدولة في أثنائها، وتوطدت دعائمها، وارتفع شأنها، واتسعت حدودها، وتوجت جهودها بالانتصار على الروم البيزنطيين في معركة ملاذكرد الخالدة في (463هـ، 1070م)، وبعد هذه المعركة لم يعش ألب أرسلان طويلًا ليجني ثمار نصره ويواصل فتوحاته؛ حيث توفي في (10 من ربيع الأول 465هـ، الموافق أواخر نوفمبر 1072م).
ظهرت قوة الوزير نظام الملك واتسع نفوذه بعد وفاة ألب أرسلان، فوقف إلى جوار ابنه الأكبر ملكشاه، وكان الصراع قد دَبَّ بين أفراد البيت السلجوقي، لكن ملكشاه كان أرجحهم كفة، وأقواهم نفوذًا، فضلًا عن مؤازرة الوزير نظام الملك وتأييده له، فتولى ملكشاه السلطنة، وأسند الوزارة إلى نظام الملك حتى تستقر الأوضاع في الدولة.
كان السلطان الجديد في سن العشرين عندما تولى الحكم، في حين كان الوزير نظام الملك في الخامسة والخمسين من عمره عالمًا ناضجًا، صهرته التجارب والأيام، وخبر الحكام والسلاطين، وسبر أغوار الحكم والسياسة، وهو ما جعل السلطان الجديد يجلُّه ويحترمه، ويخاطبه بكل تبجيل ويناديه بالعم، ويلقي إليه بمقاليد الأمور، ويضع فيه ثقته، قائلًا له: (قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد) [الكامل في التاريخ، ابن الأثير، (4/303)].
أفكاره ومنهجه:
واعتمد نظام الملك من أول يوم لوزارته سياسة تقريب الرجال الأكفاء الصالحين، فقد قال يومًا لألب أرسلان، وقد خاف من عمه الذي خرج عليه يريد قتاله: (يا أيها الملك، لا تخف؛ فإني قد استدمت لك جندًا، ما بارزوا عسكرًا إلا كسروه كائنًا ما كان)، قال له ألب أرسلان: (من هم؟)، قال: (جند يدعون لك وينصـرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء والفقراء الصلحاء) [البداية والنهاية، ابن كثير، (12/111)].
ولذا؛ فقد ارتكزت أفكاره ومنهجه الإصلاحي، أو بالأحرى الإحيائي للمذهب السني، على دعامتين رئيستين، هما:

1. مدرسته العسكرية الجهادية:
فقد أنشأ ما يمكن أن نطلق عليه مدرسة عسكرية فريدة، لم تهتم فقط بتعليم فنون الحرب والقتال، ولكنها أولت اهتمامًا كبيرًا للتربية الإيمانية الأخلاقية للجند، فحوت بين جنباتها أسماء لامعة، ونجومًا مضيئة في سماء الأمة الإسلامية، أضاءت العالم بنور تلك الشريعة، واستمرت تلك المدرسة تخرج للأمة أجيالًا تلو أجيال، حتى بعد وفاة نظام الملك.
ويكفي أن يكون من بين هؤلاء آق سنقر والد عماد الدين زنكي، ثم عماد الدين نفسه، ومن بعده ابنه نور الدين، وهم مشكاة النور الذي أتمه صلاح الدين الأيوبي، فانقشعت به ظلمات الصليبيين عن بيت المقدس وعن بلاد الإسلام.
2. مدرسته العلمية الفقهية:
وكما كان له قصب السبق في الجهاد والحرب، كانت له أيادي بيضاء على الفقه والعلم، فقد أنشأ المدارس النظامية، وهي التي تمثل تجديدًا لتلك المدارس الفقهية للسلف الصالح، التي أخرجت أجيالًا من العلماء الأفذاذ، بذرت بذور العلم في كل أرض أماتها الجهل والبدع، وأخذت تلك المدارس تمحو ما علق بجسد الأمة من بدع المدارس العبيدية، ومدارس دولة البويهيين الباطنية، وغيرها من المدارس التي نشـرت سموم الباطنيين في جسد الأمة، فكانت تلك المدارس المباركة بمثابة القلب الذي يضخ دماء الإصلاح والتجديد في هذه الأمة، وسنتناول تلك المدرسة النظامية بشيء من التفصيل.
المدارس النظامية:
وقد تأسست أولى تلك المدارس في حاضرة الخلافة الإسلامية بغداد عام 457هـ على نهر دجلة، وأنفق نظام الملك على بنائها ما بلغ 200 ألف دينار، وبنى حولها أوقافًا تكون وقفًا عليها، وأقام بها عديدًا من المرافق والخدمات؛ لتشجيع الطلاب على الدراسة فيها.
ومن ثَم بدأ هذا النور يشع في أرجاء الأمة كلها، فبعد ناظمية بغداد انتشرت تلك المدارس في نيسابور وبلخ وهراة وأصبهان والبصرة ومرو وطبرستان والموصل، وقد تخرج في هذه المدارس طائفة عظيمة من كبار علماء الأمة، والذين كان لهم شأن كبير بعد ذلك؛ منهم: ابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وابن رافع الأسدي المعروف بابن شدَّاد، وممن درَّس في هذه المدارس أبو حامد الغزالي، والجويني المعروف بإمام الحرمين، وقطب الدين الشيرازي، وابن شدَّاد، وابن الجوزي، والسهروردي.
وها هو الرحالة ابن جبير يضعنا في صورة ما رأى من عظمة المدارس النظامية؛ فقد رأى ببغداد نحوًا من ثلاثين مدرسة، فيقول: (إنه ما فيها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية التي بناها نظام الملك، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة) [رحلة ابن جبير، ابن جبير، ص(239)].
أما ما خصص من المال لرعاية الشئون الثقافية على العموم وكذلك ريع الأوقاف المعينة للمدارس، فقد كان نظام الملك ينفق في السنة الواحدة على التعليم ما يوازي (600000) دينار [تاريخ علماء المدرسة المسـتنصرية، ناجي معروف، ص(8)]، أما الريع الذي كانت تنتجه الأوقاف المخصصة لنظامية بغداد، فقد ورد أنه كان 15000 دينار في العام الواحد، وقد كان ذلك الريع كافيًا لمرتبات الشيوخ ولما يدفع للطلبة، وكان يشمل مئونة طعامهم وملابسهم وفرشهم، وغير ذلك من ضرورات معاشهم، أما أوقاف نظام الملك على نظامية أصفهان فقد بلغت 10000 دينار سنويًّا [تاريخ مساجد بغداد، الألوسي، ص(102)].
وقد ألحق نظام الملك بالمدرسة بناءً خاصًّا بالمكتبة، التي كانت تضم أكثر من عشرة آلاف مجلد في شتى الفنون وأبواب العلم، وشغل منصب "أمين المكتبة" فيها علماء ذوو شأن؛ منهم: أبو يوسف الإسفرائيني، وأبو مظفر الإبيوردي، والخطيب التبريزي.
أخلاقه وعبادته:
وأما عن أخلاقه وعبادته؛ فقد قال عنه ابن الأثير: (فإنه كان عالمًا ديِّنًا، وجوادًا عادلًا حليمًا، كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامرًا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح) [الكامل في التاريخ، ابن الأثير، (4/341)].
وكان رحمه الله من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (19/97)]، وإذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات ولزوم الصلوات، وكانت له صلة بالله عظيمة، وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس، وله الأوقاف الدَّارة والصدقات البارَّة [الكامل في التاريخ، ابن الأثير، (4/341)].
وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه مكفول الرزق، قال في هذا المعنى: (كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه) [المنتظم، ابن الجوزي، (5/16)].
ومن تواضعه أنه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع إليه فأكل معه [الكامل في التاريخ، ابن الأثير، (4/341)].
كتاب السياسة .. موسوعة سبقت عصرها:
وكان للوزير نظام الملك رحمه الله مؤلفًا عظيمًا في السياسة، سُمي (سياست نامه)؛ أي سير الملوك، وقد كتبه باللغة الفارسية، وتُرجم إلى اللغة العربية، والذي جُمع ونُسخ بعد وفاته ما بين عامي 492 و505 هـ، وقد وضع فيه نظام الملك أفضل النظم لحكم الولايات التي تتكون منها الدولة، وتصريف الأمور، وسجَّل فيه أصول الحكم التي تؤدي إلى استقرار البلاد، كما ضمَّنه نصائح موجهة إلى السلطان للسير بالعدل بين العباد، وبيَّن أنه لا يمكن الحفاظ على الملك إلا بالعدل.
وفاته:
وفي عام 485هـ يوم الخميس في العاشر من شهر رمضان وفي وقت الإفطار، صلَّى نظام الملك المغرب، وجلس حوله خلق كثير من الفقهاء والقراء وأصحاب الحوائج، فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الموقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين، في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن استُشهد هناك من الأعيان، ويقول: طوبى لمن لحق بهم [طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، (4/185)].
ولما فرغ من إفطاره، خرج من مكانه قاصدًا مضرب حرمه، فبدر إليه رجل باطني من طائفة الإسماعيلية، كأنه مُستميح أو مستغيث، فعلق به وضربه، فحُمل إلى مضرب الحرم، ومكث ساعة، لفظ بعدها أنفاسه الأخيرة، لتكون تلك الطعنات الخبيثة فصل النهاية في حياته التي وهبها لشريعة الله عز وجل، فعاش محييًا لها، محافظًا عليها، داعيًا إليها، ومات شهيدًا في سبيلها، فرحمة الله عليه وعلى كل من رفع لواء شريعة الله عز وجل.
ويكفينا شهادة من الإمام الذهبي رحمه الله في ذلك الوزير الصالح نظام الملك، حين وصفه قائلًا: (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير سعيد متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (19/94)].
وبعد الشهادة العظيمة من الإمام الذهبي، ها هو مقاتل بن عطية يرثيه بأبيات رائعة [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (19/97)]، قال فيها:
كان الوزير نظام الملك لؤلـــؤة يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزَّت فلم تعرف الأيام قيمتهـا فردَّها غيرةً منه إلى الصــــدف

منقوووول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وزير الصالح نظام الملك ... وإحياء المذهب السني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://www.almoumnoon.com/ :: {{{{{{{{{{منتديــات المؤمنيــن والمؤمنــات الشرعيــه}}}}}}}}}} :: المنتديات الشرعيه :: السيره والفتاوي واهل العلم-
انتقل الى: